مقالاتمنوعات

لِمَ لَم يمنحوا عبد الرحمن منيف جائزة نوبل؟

لِمَ لَم يمنحوا عبد الرحمن منيف جائزة نوبل؟

معضلة الشرق والغرب

“اترك البطولة يا صاحبي. تأكد أن ليس بطلاً إلّا الأشجار، ولا شيء سواها!”

(الأشجار واغتيال مرزوق – صــ 123).

تعرّفت على عبد الرحمن منيف من روايته (اغتيال العجوز)1 التي نشرَتْها (دار مكتبة الحياة الجديدة – Yeni Hayat Kütüphanesi) في يناير 2002، أي قبل عشر سنواتٍ بالضبط من الآن2 حيث كُتِبَ اسم المؤلف بهذه الطريقة: (Abdelrahman Munif)، وقد تزامن ذلك مع نشري مقالةً في مجلة (الأدب والنقد – Edebiyat ve Eleştiri). وبعد ذلك بعشرة أعوام نَشَرَتْ دار يابي كريدي عام 2012 أول رواية أصدرها المؤلف (الأشجار واغتيال مرزوق)، إلّا أن اسمه في هذه المرة كُتِبَ: (Abdurrahman Münif) وأعتقد أن هذا أصح.

وكما نعلم، فإنّنا نتهجَّى الأسماء في اللغات التي تختلف أبجديّتها عن أبجديّة لغتنا (كالعربية والسيريلية) كما تُنطق وتُكتب في لغتنا. فلو كتبنا: (Abdelrahma Munif) سيبدو نطق اسم المؤلّف إنجليزياً. وبرأيي أن مترجمَا رواية الأشجار واغتيال مرزوق: (إبراهيم دميرجي – İbrahim Demirci وحسن هارمانجه – Hasan Harmancı) قاما بتصحيحٍ مهمٍ. أما المترجم القدير لرواية اغتيال العجوز (سميح أوزال –Semih Özal )3 فلا يستطيع رؤية ترجمته، إذ ذهب عام 1995 ضحية اغتيالٍ في سوريا حيث منفاه. باختصارٍ، أعتقد أن اختيار كتابة اسمه بهذه الطريقة (Abdelrahman Munif) عائدٌ إلى دار النشر لا المترجم. وبصفتي شخصاً بذل جهوداً لسنوات في محاولة نشر روايات منيف في بلدنا، فقد أتيحت لي فرصة التواصل مع زوجته السيدة سعاد، القاطنة في دمشق، عبر البريد الإلكتروني. في الوقت الذي مضى منذ ذلك الحين، كان منيف كاتباً أنتظر بصبرٍ أن تُنشر كتبه، لكنني كنت قلقاً دائماً فيما إذا نُشرت أعمال هذا الكاتب الواقعي العظيم المناهض للإمبريالية، أن تتعرض “لاغتيالٍ صامتٍ” كما كان في اغتيال العجوز. إضافةً إلى ذلك فقد كُتب في رواية اغتيال العجوز، في صفحات التعريف بالمؤلف، أن منيف كان قد رُشّح لنيل جائزة نوبل.

مرت بضع سنوات أخرى، وفي عام 2007 حدث اغتيالٌ مهمٌ مثيرٌ لإحدى الإشكاليات الرئيسة في روايات عبد الرحمن منيف (الصراع الثقافي بين الشرق والغرب)، وحصل الأدب التركي ومن ثم أورهان باموق على جائزة نوبل للآداب. كانت هذه رسالةً مهمةً مرتبطةً بجغرافيا الشرق الأوسط، ومتجاوزةً للأدب التركي بالطبع. لكن وكالعادة، عوضاً عن قراءة الرسالة الأساسية، غَمَرَنا هراء النقاد والأدباء الأتراك المتبجّحين بأن الجائزة مُنِحَت للأدب التركي، وأن الذين ينتقدون ذلك هم حسّادٌ لا يرغبون في أن يُعترف بالأدب التركي في الدول الأجنبية، عندئذٍ وبينما كانت الجائزة تُفحّص وتُمحَّص وتُدقَّق وتفصّص، كنت أنا وكآن أرسْلان أوغلو، وعلي مرت، وأرجين يلديز أوغلو نهيّئ كتاب (النشّاء الخامس من الفن الخامس: أورهان باموق)، دار إيتهاكي 2007.

بالطبع كل ما قلتُه هو جانبٌ من انعكاس الجائزة على بلدنا، لأن الجائزة قد نُوقشت في العالم الغربي أيضاً. فأثناء كتابتي للمقالة التي كنتُ سأودعها الكتابَ، رأيت نقداً نُشر في مجلة باساج للناقد الإنجليزي كريستوفر هيتشنز يحقق في جائزة نوبل الممنوحة لباموق. سأقتبس لكم جزءاً من مقالتي هنا: “منذ مطلع عام 2001 كان بحث القرّاء والنقّاد الغربيّينَ عن روائيّ من العالم الإسلامي، يمكنه إرشادهم في موضوع الشرق، لا يزال مستمراً. فبعد وفاة نجيب محفوظ لم يحظَ الكُتّاب ذوو اللغة الحادة والعلمانيون مثل عبد الرحمن منيف وإميل حبيبي بشعبية كبيرة، وقد ساد اعتقادٌ لفترةٍ ما أنه من الممكن أن يكون في مواضيعِ أدبِ باموق تفسيرٌ وسيطٌ، وهكذا أصبح باموق مرشحاً للمنصب الذي ذكرتُهُ من خلال تناوله النمطين الإسلامي والغربي في روايته (اسمي أحمر) وتحقيقه لنمطِ (ما بعد الحداثة) الذي يعطي الأهمية اللازمة للنصوص واللقطات والتصاوير.”

أمّا عبد الرحمن منيف فقد كان واقفاً أمامي عام 2003 في موضعه الذي لا أستطيع تسميته بدقة -بالمناسبة أود أن ألفت انتباهكم إلى أن المجلة التي نقلتُ عنها، كتبت اسم المؤلف هكذا (Abdelrahman Münif)- وقد رُشِّح لجائزة نوبل، لكنّ الغرب لم يكن ليمنحه الجائزة ممثِّلاً للشرق؛ إذ كان الغرب -كما يوضح هيتشنز- يبحث عن كاتبٍ شرقيٍ ومفسرٍ ما بعد حداثي، يشرح (يُأوِّل) الشرق بالطريقة التي تحلو للغرب. بينما كان منيف التقدمي المناهض للإمبريالية والواقعي التنويري، الروائيَّ المدافع عن هذه القيم التي هي آخر ما يرغب الغرب في رؤيته في الشرق. وهكذا فقد أَغمض هذا الكاتب القيّم الذي عمل بشكلٍ مهنيٍ في شركات النفط لسنوات، عينيه عن هذا العالم في دمشق عاصمة سوريا، آخر حصنٍ عربيٍ يحاول اليوم إبقاء كل هذه القيم حيةً.

كان باموق قد أسس -بطريقة مبهرةٍ- الشرقَ الذي أراد الغربُ قراءته. لا أهمية لما يكونه الشرق ولا كيف يبدو، إنما المهم أن المستشرق غير التقليدي (Heterodox) الذي أوصل العقل الغربي إلى حالة من الانحدار منذ اللحظة التي ظهر فيها، كان يريد أن يقرأه من منظورِ اللّا أدريّة، فحتى ونحن في القرن الحادي والعشرين فإنّ الغرب لا يزال يريد القراءة عن سراديب إسطنبول، والمذاهب الإسلامية الغامضة والجاريات الراقصات. وإن كانت أزقة دمشق وشوارعها تُقصف اليوم من جديد، فلا يبدو أنه من الممكن لهذه القراءة والدراسة أن تكون صحيحة أو عادلة.

نعم لقد فاضل الغرب بين باموق ومنيف، وإذا قلنا -بالاتّكاء على مفاهيم إدوارد سعيد العبقرية- إنّ المعرفة الاستشراقية بالشرق يمكن أن تأتي من المستشرقين داخل الشرق نفسه، فيجب الاعتراف بأن هذا العامل قد لعب دوراً مهماً في اختيار نجيب محفوظ.

واقعية منيف

حسناً، أيُ شرقٍ كامن في روايات منيف لا يريد الغربُ قراءته؟ الشخصية الرئيسة في رواية الأشجار واغتيال مرزوق هي منصور عبد السلام، وهو مؤرخٌ تلقّى تعليمه في الغرب ثم تعرض للملاحقة السياسية والتعذيب في بلاده -بالمناسبة، لم يُذكر مكان وجود هذا البلد العربي في الرواية، لكنّه يُعرَف من المعطيات، كأسماء الأماكن والأحداث الجارية في الخلفية التاريخية- وطُرد في النهاية من الجامعة التي كان عضو هيئة تدريسٍ فيها نتيجةَ الضغوط السياسية، ولم يكن أيٌّ من عمله مترجماً تحت وطأة البطالة، أو محاولته بيع الكتب دليلاً كافياً على شخصيته، لكنّ إمساكه بكتاب (كومونة باريس) وترجمته له، كان الدليل الدامغ على هذه الشخصية المقاومة المتحدّية.

إضافةً إلى أنّ اتّخاذه موقف معارضةِ طلب كاترين -التي صارت حبيبته في سنوات دراسته في الغرب- بالرّحيل معه إلى بلده والارتباط، والأفكار التي أوردها لصدّها، جميعها تبيّن أيضاً لماذا يعدّ منيف كاتباً لا يود الغرب قراءته. فمثلاً أثناء حديثه مع كاترين يقول: “لا أعرف ماذا أحب، ولكن أعرف ماذا أكره. أكره طريقة الحياة والعلاقات في بلادنا، ولن تزول هذه إلا بثورةٍ تحرق كل شيء.”(صــ 243) إنه يعيش بأفكار هذه الثورة لكنه يُهزم، وفي لحظةٍ لا يستطيع تحملها يُمنح بأعجوبةٍ جوازَ سفرٍ، حيث يجد عملاً في دولةٍ عربيةٍ أخرى، في الترجمة لصالح منقبي آثارٍ فرنسيين. إذاً، فهنا أيضاً نقرأ سطوراً لاذعة تعكس العلاقات مع علماء الآثار الغربيين، أو بالأحرى الطريقة التي يستبين بها الغربُ الشرقَ. كل هذا سيقذف بمنصور داخل حالة شدٍ وجذبٍ روحيٍ عقلاني. فثمة لحظات -تحت وطأة فكرة الثورة- يعتقد فيها أنه بحاجةٍ إلى قنبلةٍ ذرية تنهي العالم بأسره.

دعونا نعود الآن إلى القسم الذي حاول فيه إبعاد كاترين عن فكره؛ فلمنصور هنا تفصيلات مهمة تشرح الشرق: “نكذب، نؤجل أعمال اليوم إلى الغد، نضرب زوجاتنا، ننام بعد الظهر، نطيع القوادين والسماسرة والمشعوذين.”(صـــ 242) “لا تغضبي… فأنا لا أقول سوى الحقيقة. وهذا المَلِك الذي أتحدث عنه قصير، ممتلئ.” (صـــ 246) “يسرقُ كل قمحةٍ تنبت في أي شبرٍ من الأرض، ويلقي للناس الفتات. والناس يهزون رؤوسهم شكراً واعترافاً بالجميل، أكثر مما يفعل الكردينال أدوار، وبعد ذلك إن تكلمت معك تقولين: أنت تعمل في السياسة!” (صـــ 247) نعم لديه مهمة، فالثوري منصور سيرجع إلى بلاده وسيعمل في السياسة. ثم يكمل:

“لا أريد أن أحزنك يا كاترين، ولكن كل شيء في بلادنا مقلوبٌ على رأسه، ويريد أنبياء من أجل أن يوقفوه على قدميه، وهؤلاء الأنبياء ليسوا موجودين، ولكن كل رجل يجب أن يحاول، نعم أن يحاول، لعله يكون نبياً.” (صـــ 247) (هذا الحثّ على الاجتهاد قرأناه مراراً في الجزء الأول من الرواية عند الحكيم الشعبي4 إلياس نخلة. لكن، وفقاً لتسلسل زمن الرواية فإن نبرة تأكيد منصور على الاجتهاد هنا تأتي قبل لقائه بإلياس) “نحن نحتاج إلى آلاف الأنبياء، ولا يوجد منهم أحد في الوقت الحاضر، كل الذين يصرخون الآن دجالون، يريدون أن يتقاضوا ثمناً لصراخهم!” (صـــ 247) بالطّبع لم يكن منصور نبياً أو ما شابه، إلّا أنّ عليه أن يقف ضد مثالية حبيبته الغربية كاترين التي تظن أن بلداً شرقياً يشبه بلدها، ولا تفهم وضع المرأة هناك أبداً. في واقع الأمر، إن الشرق بالنسبة للغرب إما بالهيئة التي أُوحي بها لكاترين، وهي هيئة مريضةٌ بمثالية تَعْمَى عن حقيقته التي يعتقد الغرب أنها ممكنة الوجود -بأي شكلٍ من الأشكال- وفقاً لما يراه من واقعه الخاص، أو أنه على غرار الكلمات التالية لأحد علماء الآثار الذين عمل معهم منصور: “اذهب أنت وشرقك إلى الجحيم، أليس عندك سوى هذه القصص المملة ترددها علينا دون تعب؟ السجن، التعذيب، البطالة، الاضطهاد. لقد سمعنا هذه القصص في كل الليالي، منذ أربعة شهور وحتى الآن، والليلة نريد أن نتذكر نحن: باريس، باريس الملونة التي تضج بالضحكات والقبل، باريس النساء. كل امرأة تعادل شرقك كله!” (صـــ 339) (في بلد الروائيين الذين يبيعون البلد من أجل ثدي امرأة، تعزّ عليّ هذه السطور وتألمني حين أقرؤها).

نعم، في نظر الغربي كل امرأة تعادل الشرق الذي أراد منصور إنقاذه، كما أريد أن ألفت انتباهكم إلى أن أحداً من هؤلاء الغربيين ليسوا من العامة. فكاترين وعالم الأثار أيضاً شخصان متمكّنان من كتابة وقراءة التاريخ.

إن الشرق الذي رسمه ووصفه منيف لنا، هو الشرق الذي وصفه منصور لكاترين بقوله: “إنني أقول لك الحقيقة.” بالطبع لم يكن هذا الشرق ليجذب الغربَ الباحثَ عن المحللين. الشرق الذي وصفه منيف: حيث البحث عن الأسرار في أزقة إسطنبول والقاهرة الغامضة الملتحفة بالبؤس، حيث يداهم صوت الأذانِ سكون دروب إسطنبول الخاوية في فجرٍ شتائيٍ ضبابيٍ غائم، حيث يَجلبُ الحمامُ الأخبارَ إلى سوق الحميدية في دمشق، حيث تكمن روح الإله المنشودة داخل السراديب الخفية أسفل المسجد الأقصى في القدس، وحيث تابوت السكينة. إذاً، لم يكن الشرق حيث وُضعت أسس حروب الحضارة التي ستنتهي بصراع الثقافات في حرب هرمجدون. يخبرنا منيف عن الإنسان الثوري، وعن الشرقيين ودُمى الإمبريالية وعن المثقف الذي يئنّ تحت وطأة الطغاة الذين تحولوا إلى ديكتاتوريين، وعن المثقف “غير المتعاون” والمستقل والداعي إلى التحرر.

أمّا رواية الأشجار واغتيال مرزوق، فتُفتَتَح في رحلة القطار التي استقلّها منصور لبدء عمله، عندما يحكي إلياس نخلة -وهو مسيحيٌ عربيٌ من العوام- لمنصورَ عن حياته برفقة العرق. وكما قلت سابقاً فإنّ إلياس من أولئك الذين يتعلمون من الأرض، فهم حكماء بلا كتب، إذ يَعرف النساء والحياة والأشجار، وبإمكانه شرحها جميعاً. وكما قال: “إن النساء والأشجار لهن طبيعة واحدة.” (صـــ 69) “من أنا حتى أتكلم؟ إلياس الإنسان المعذب بالأشجار والحب. وصمت لحظة ثمة قال: ورجال الجمارك… الآن!” (صـــ 172).

بعد استماعه إلى حياة إلياس، تبدو تجارب منصور فجأةً في نظره عديمة اللون باهتةً واعتياديّة. فعلى سبيل المثال يصف منيف هذه المقارنة هكذا: “والنساء اللاتي شغلن إلياس وعذبنه، عذبن منصور عبد السلام أيضاً ولكن بشكلٍ آخر. لقد فكر بالمرأة طويلاً، وحلم بها. أحس بالخيبة مثل سكينٍ تنغرز في قلبه وانتظر. ولكن لا يعرف كيف بدأت الأمور. وكيف انتهت!” (صـــ 177).

إذاً هذا هو منيف الشرقي. الإنسان الذي من الممكن أن يعاني ويفكر في المرأة والحياة، ومن الممكن أن يكون سعيداً، هو الإنسان الحقيقي. وهل التفكير بأن شخصاً كهذا يمكن أن يعيش في الشرق من عمل الفكر الغربي الاستشراقي؟ هل يبدو السؤال سخيفاً؟ أّبَعْد سقوط القنابل على طرابلس ودمشق والقاهرة وبغداد -ولربما تسقط قريباً على طهران- لا يزال السؤال سخيفاً؟

إن كان كذلك فلا تقرؤوا منيف!

منصور الذي طُرد من بلاده وهو على حافة الفقر، دون عمل أو امرأةٍ أو مأوى، منطلقاً إلى العمل مترجماً بعد أن استمع إلى إلياس نخلة، كان يهوي داخل فكرة مفادها ألّا سبب لفشله سوى بُعْده عن أولئك الذين يتعلمون من الأرض، الحكماء دون كتب: “حاول أن تصبح إلياس نخلة جديداً. لماذا لا تصبح فيلسوفاً يا منصور؟ لماذا لا تكون لك فلسفة في الحياة؟ لو فكرت جيداً لاستطعت أن تكتشف الحقائق الكبرى. إن اكتشاف الحقائق بدايةٌ رائعة. سوف تفهم جيداً لماذا يُطارد إلياس نخلة، لماذا قطعوا أشجاره. وأنت… سوف تفهم حياتك، لماذا أصبحت يابس الرأس وتعيش مثل الآخرين.”(صـــ 327). إن منيف ينصحُ منصور، لكن منصور لن يتعظ. ومع اضطراب وعيه المتزايد حيث يُخيِّم مع الغربيين، في غرفة أحد الفنادق ثمة يدٌ ستُطلق النار، لكن لا على نفسها، بل على صورتها في المرآة…

الخلاصة

إن رواية الأشجار واغتيال مرزوق روايةُ أناسٍ حقيقيين، شرقيّين أو غربيّين. وهنا يكمن نجاح منيف. حينما يُجمع بين الحتمية الطبقية الثقافية وجانبنا الإنساني (شخصياتنا، نقاط ضعفنا… إلخ)؛ يمكننا الوصول إلى حقيقة كاملة. إننا نعيش الواقع ونرسم مصيرنا بأيدينا. أَكان الغرب بحاجة إلى مثل هذه الرسالة العالمية الإنسانية الموجهة من الشرق؟ لا بالطبع. إذاً لِمَ يمنحون منيف جائزة نوبل؟

يبتلع منصور كلماته بينما يتلو على الطلبة كلمات معلمه المثقف المؤرخ فريد. وكأنما لسانه منعقدٌ في مواجهة السلطة. “خرجت الكلمات من فمه مقطوعة الرأس.” (صـــ 288) وكان منيف سيكتب: “لكيلا تخرج كلماتنا من أفواهنا مقطوعة الرأس، دعونا نحن لا نسمح لها بذلك.”

نهاد أتِش/ناقدٌ وكاتبٌ تركي (لكاتب المقالة ثمانية كتب نقدية)

Nihat Ateş

هامش:

1- تُرجِمت رواية (سباق المسافات الطويلة) لمنيف بهذا العنوان في نسختها التركية، وهو ما اعتمدناه حالياً لما تستلزمه بعض حيثيات المقالة.

2- كُتِبَت هذه المقالة عام 2012 وحينها لم يكن قد تُرجم من أعمال عبد الرحمن منيف إلى اللغة التركية سوى روايتَي الأشجار واغتيال مرزوق، وسباق المسافات الطويلة، ثم صدرت لاحقاً ترجمتَي:

–  رواية النهايات: بترجمة (إلكنور اميكلي – İlknur Emekli) عن دار (فينومان – Fenomem) عام 2015 (إلكنور لها عدة ترجمات للأدب العربي، وتشغل منصباً في جامعة أتاتورك في تخصص الأدب العربي).

– رواية شرق المتوسط: بترجمة (عائشة إسبر كُورُون – Ayşe İspir Kurun) عن دار (كيتيبه – Ketebe) عام 2018.

3- سميح أوزال: مترجم رواية منيف (سباق المسافات الطويلة) إلى اللغة التركية، وقد ترجمها كما ذكرنا سابقاً بعنوان (اغتيال العجوز). وفق ما تذكره المنظمات اليسارية الاشتراكية التركية، فإن سميح أوزال مناضلٌ “علوي عربي” ابن قرية سمانداغ في لواء إسكندرون، وهي منطقة حدودية مع سوريا تحمل في كنفها مواطنين أتراك من الطائفة العلوية، ينحدر كثير منهم من أصول عربية. انتقل سميح عام 1981 إلى المناطق الحدودية بين سوريا ولبنان ليمارس نشاطه الثوري مع منظماتٍ عربيةٍ يسارية (وكان على علاقةٍ مع بعض المنظمات الفلسطينية أيضاً)، وفي نهايات عام 1990 عبر متخفياً إلى تركيا لكنه سجن ثم أُطلق سراحه عام 1992 وعاد إلى سوريا، وقد ترجم الرواية في تلك الفترة، لكنه اغتيل في سوريا عام 1995 ولم تصدر ترجمته إلا عام 2002.

4- استخدام كلمة الحكيم هنا يُقصد به معنى الكلمة الحرفي، وليس إشارة إلى الطبيب كما في بعض اللهجات العربية.

ترجمة: عمير الأحمر

تدقيق وتحرير: مريم حمود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى