عام

اكتِئاب دوستويفسكي: تحليل للعقل العليل . .

كتابة : رافيل غاستو

ترجمة : حواء سراج

هَيمنت الشياطين على عقل دوستويفسكي لبعض الوقت، حيث وجهت أفكاره نحو دروب اليأس والعذاب واللامبالاة، وفي النهاية قادته نحو اللامبالاة المُوجعة: والتي أصبحت مُوجعة لهذا الحد كَونها محسومة وجليّة.

ذلك الألم والعذاب النابع من كونه لامُبالي والإحساس بلا مبالاته تُذكره بأنه ذات يوم كان شَخصاً مختلفاً وأنه لن يكون على ما كان عليه مجدداً. كانت لا مبالاته إعدام قدرته على الشعور، مُتذكراً كيف شعر بذلك ذات مرة، وكيف أنه لم يعد باستطاعته تكرار ذلك، والخوف من فقدان الشعور مرة أخرى.

في الواقع، الخوف هو أساس أي شكل أو تكوين قد تتخذه اللامبالاة، ويمكننا القول أن فيُدور كان غير قادر على الشعور، لا يعود السبب في ذلك إلى أنّه قد جرّب بالفعل كل صنوف المشاعر، ولم يكن تكرار الألم و الذي جعله معتاد على ذلك، بل الخوف الذي بنى جداراً، والذي بات يمنعه من النَظر، بفضل الوجود المطلق لذلك الخوف من عدم القدرة على النظر وتثمين الأشياء مجدداً. وعلى هذا المنوال كلما كان هناك أمر على وشك أن ينفذ و يلمس، كان يقوم بصبغه بلون الخوف، ذلك اللون وتلك النغمة التي غمرت نظرته لكل الأشياء لم تكن مِن قبيل عبارات:” هذا الأمر لايهم ” أو ” أياً يكن ” أو ” لقد تكرر هذا الشيء من قبل”، بل هذا لم يكن سوى الشكل الذي اتُخذ لديه عبر هاجس أعمق، حيث تغطي تلك النغمة التي بداخل دماغه بشكل تلقائي أي موقف يمرّ به، كانت نغمة الخوف هي أصل كل الأشياء والتي اتخذت الحدس الأولي لديه. كان عندما يرى طفلاً يركض بسعادة، كان انتباهه لا ينصب على الطفل ، بل على إدراكه للطفل واللحظة.

فهل كان الخوف من عدم التركيز على الطفل هو الذي جعله يركز على السؤال: 

هل أنا فعلاً أشعر بالطفل؟” وليس على الطفل. وقِس على ذلك جميع الأمور. 

ولكن دعونا نفكر: اللامبالاة الحقيقية تكمن في عدم الرغبة في التفكير، لا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، فالأمور المملة هي أمور  لا تستدعي التفكير، مثل كلمات المعلم للطالب على سبيل المثال،  وأنا لا أشير إلى التناقض هنا، لأن الإنسان بطبيعته ليس سوى تناقضات، وبالتالي ينبغي أن يكون كذلك. 

الذي أحاول قوله أنه إذا كان الشخص يعاني من عدم اهتمام ولامبالاة حقيقية، فلن يفكر في أي أمر. 

وفي هذه الحالة وجود اللامبالاة قد يكون ناتج عن الأنانية العنيدة، جنون العظمة، الهوس، الإكراه، الإكتئاب والقلق، سمّها ماشئت، لأنني لا أعيّ الفرق تماماً. 

وهكذا فإن صورة فيودور، صورة العدمي الحقيقي، الذي يفضل الموت على الحياة في مرحلة ما، هي صورة الشخص الذي يغمره الخوف ويقوده لحالة من الوعي تجعله يفكر باستمرار و بهَوس من منطلق هذا الخوف. إن عدم اهتمامه هو مجرد شكل من أشكال الخوف، وهو الشكل الذي يجعله يركز باستمرار على نفسه.

إن كنّا في الغابة ومرّ بجوارنا أسد، فإن ماسيفعله الخوف المزروع بداخلنا هو أن يجعلنا نفكر بفكرة الأسد بذاته، وإلى أين سيتّجه، وكيف سنقاومه، و كيف سنهرب منقبضته، فالخوف من الأسد يحفز على التفكير، وهو ما نطلق عليه هذا الاسم – أي بمعنى آخر، دعونا نقول إن اهتمامنا كله سيتركز على هذه الفكرة وذلك عندما تظهرأفكار مشابهة وذات صلة.

 تحت تأثير ” اللون العاطفي” للتفكير. والذي يمكن وصفه على أنه الإيحاء الذي يصدر من تعابير الوجه والجسد على شكل لغة الجسد، فمثلاً إذا قال لك أحدهم بصوت مرتجف وعينين جاحظتين ومفتوحتين ” لقد مرّ أسد للتوّ” فإن العبارة تلك ستكون مصبوغة بلون الخوف وهذا ما سيؤدي إلى إشعال حالة من الخوف لدى المستمع فور تلقيه تلك العبارة بذلك اللون.

مايقوم بفعله الفِكر في أي شكل من أشكال “المرض العقلي” الذي يمكن أن يكون أحد أعراض العبقرية أو أن يكون عبقريًا كعرض، هو أن تصبح عبارة “أنا أخاف” هي موضوع الخوف، ويصبح الأسد موضوع الخوف، حتى يتم تركيز الإنتباه على ذات الشيء، ما يسبب الانفصال عن الواقع هو تركيز الإنتباه على الشيء، عدمالمقدرة على الرؤية بوضوح لأننا مدفوعين بالخوف، والذي يقودنا بإستمرار ليس على الشيء المرئي بل على فعل رؤية ذلك الشيء، وليس على الشيء الذي نشعر بهبل على فعل الشعور، مصطبغين بلون الخوف من عدم الرؤية أو عدم الشعور. 

لذلك ، حتى ما يبدو أنه شكل من أشكال التخلي عن الأنا هي أنانية بحد ذاتها: يلجأ دماغ الحيوان إلى إستخدام الخوف كوسيلة دفاعية، يغطي نفسه مع هذا الخوف الذي يشتم رائحة كل حركة كل قرار كل فكرة، أي صورة، ذاكرة أو خيال، وله مذاقه ورائحته وتغير لونه وطوله الموجي، ذكاؤه المعتمد على ربط الأشياء سيربط كل شيء بهذا الخوف، كيف يمكن لك أن تهرب من شيء يؤدي بك إلى كل شيء، كيف يمكن أن يهرب فيودور من الخوف إذا كان كل ما ينظر إليه يجلب له الخوف ويغلق حواسه؟ كيف يمكن لأي شخص أن ينسى شيئًا يربط به كل شيء؟ لن يستطيع، على الأقل باختياره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى