عام

الترجمة: مرتقيات جديدة في المعرفة والوعي البشري.

لطيفة الدليمي.

«حياة واحدة لا تكفي»: تلك كانت عبارة الشروع الحافزة التي دفعتني لولوج عالم الترجمة بكلّ غواياته التي لم أزل أحسبها حتى اليوم عالمًا مسكونًا بالسحر والخيال والتوقعات المدهشة. كلّ كتاب شرعت -أو سأشرع مستقبلًا- في ترجمته هو (صندوق باندورا) عجائبي حتى لو كانت لي به معرفة مسبقة؛ فخوض غمار الترجمة يَعِدُ دومًا بمفاجآت لا تنفكّ تدهشني وتدفعني لمواصلة العمل بطاقة عزوم لا تعرف الخذلان أو الانكفاء.

بدأت علاقتي بعالم الترجمة في ثمانينيات القرن الماضي عندما ترجمت روايتين ومختارات قصصية عالمية ومختارات من يوميات أناييس نن، ثمّ تعززت طاقتي الترجمية في العقد الثاني من هذا القرن لسبب أراه من جانبي كامنًا في تفجّر الدفق المعلوماتي المجاني الذي أتاحته لنا شبكة الاتصالات العالمية (الإنترنت)؛ وهو الذي شكّل انعطافة ثورية في أدواتي المعرفية وتنوّع قراءاتي في الأدب والعلوم (الفيزياء خاصةً) والفلسفة إلى جانب السير الذاتية والمذكرات (التي أعشقها عشقًا خاصًّا).

قيل الكثير عن الأمانة في الترجمة، وعن خيانة النص، وعن (المترجم بوصفه خائنًا) ولا سيما في بعض النطاقات المعرفية الخاصة (الشعر مثلًا)، وأنا من جانبي أرى في عبارة «أمانة الترجمة» التواءً لغويًّا مثلما هي تضليل معرفي؛ الأمانة المفترضة في الترجمة هي أن يكون القائم بالترجمة أمينًا في شعوره المدعم بحقائق على الأرض في أنّ أدواته المعرفية واللغوية (في لغة الأصل المترجم واللغة المستهدفة بالترجمة إليها) تحوز قدرًا من الكفاية والملاءمة يكفي لخوض غمار الترجمة وفي الحدود التي يستوجبها العمل المعني بالترجمة؛ أما عن الأمانة النصية فتلك مسألة أخرى أراها تتمحور في أمانة نقل الأفكار، ومن الطبيعي أن تستلزم هذه الأمانة الفكرية نقل النص إلى لغة أخرى ذات مداليل سياقية ونحوية تختلف عن اللغة المترجم عنها، وهذا جهد ينطوي بالطبع على قدر عظيم من قدرة الملاعبة والمناورة (النزيهة) المستوجبة في القائم على المهمة.

ثمة حركة ترجمية تمتلك قدرًا مقبولًا من الدينامية والتنوّع في عالمنا العربي وإن كانت أقلّ بكثير ممّا هو سائد في بقاع أخرى في العالم لا تُعدّ ضاربة في التقدّم (مثل إسبانيا)؛ لكنّ المعضلة الترجمية الكبرى في عالمنا العربي تكمن في غياب الإستراتيجية الترجمية الواضحة التي تكفل تحويل الجهود الترجمية لعمل مؤسساتي بعيد من الاستعراضات قصيرة النفس التي سرعان ما تتلاشى وتغيب في لُجّة النسيان، وثمّة أيضًا معضلة ثانية أراها في التركيز على ترجمة الموضوعات التي يراها بعض المترجمين تنطوي على عناوين فكرية جذابة (الإستاطيقا، السيميوطيقا، التأويلية،… إلخ) في الوقت الذي تراجعت فيه تلك المقاربات الفكرية في مظانها المرجعية الأصلية.

عالمنا اليوم هو عالم محكوم باقتصاديات المعرفة التي بات معها العلم والتقنية مصنّعات ذات مفاعيل تشكّل البنية التحتية للثقافة العولمية؛ وعليه لا مناص من منح اهتمام أعظم بترجمة الأعمال العلمية والتقنية التخصصية (الفيزياء والرياضيات والذكاء الاصطناعي خاصة) إلى جانب الأعمال المؤازرة لها (سوسيولوجيا المعرفة وتأريخها، المستقبليات، تأثير المعلوماتية في حياة الكائن البشري،… إلخ).

إذا شئت الحديث عن عقبات واجهتني في الترجمة سأقول ليس ثمة عقبات محدّدة؛ فأنا أترجم الأعمال التي أشبعتني شغفًا ملك عليّ حواسي وليست الترجمة سوى وسيلتي لنقل بعض ذلك الشغف إلى نظرائي القراء، وقد تظهر بعض العقبات الهيّنة عند التعامل مع معضلة (تعريب المصطلحات أو المفردات الفلسفية والفكرية)؛ لكنّ يقيني الراسخ أنّ شغفي (مسنودًا ببعض جهد في التفكّر وتقليب الأمور بروية وهدوء) خليق ببلوغ مخارج مقبولة. كلّ عمل إبداعي لا بدّ أن يكون دافعه الشغف، والشغف هو خصيصة تنبع من الذائقة الفردية والترتيبات الذهنية والسيكولوجية للمرء التي تتمايز بدورها عن الذائقة الجمعية حتى لو انطوت على قدر غير قليل من الإبداع. الترجمة بهذا المفهوم عمل إبداعي فردي محكوم باعتبارات (الفردانية) الخالصة حتى لو جاء تلبية لمتطلبات مؤسساتية.

هل المترجم محض إمكانية لغوية؟ المهارات اللغوية للمترجم لا تكفي من دون ثقافة عامة وحسّ خاص وموهبة تساعد في التقاط الجواهر المكنونة؛ لكن ثمة ما هو أبعد دلالة من هذه التفاصيل التي هي أقرب إلى البداهة المقطوع بصحتها. يرى الكثيرون في المترجم نموذجًا قريبًا من السحرة الذين يملكون الوسائل والأدوات اللغوية القادرة على ملاعبة الكلمات في لغته الأم واللغة التي يترجم عنها؛ وعليه سيكون المترجم بموجب هذه النظرة كائنًا لغويًّا ميدانه الكلمات وأنساقها النحوية والدلالية إضافة إلى شيء من المنكّهات الثقافية التي تعمل على تطييب مذاق الطبخة الترجمية وجعلها سائغة لجمهور المتلقّين.

قد تكون هذه الوصفة صالحة حتى بواكير القرن الحادي والعشرين، حيث كان المترجم أقرب ما يكون لكائن شكسبيري يعمل في فضاء الثقافة الفيكتورية التي ترى الثقافة متموضعة بأجلى أشكالها في المصنفات الأدبية ذات السطوة المتعالية؛ لكنّ هذه الرؤية المتخمة بطغيان اللون الثقافي الأحادي قبل الكولونيالي صارت عُرْضة لصنوف النقد والتعديل مع بواكير القرن الحادي والعشرين ولسببيْنِ اثنين في المقام الأول: الأول شيوع التمظهرات العولمية التي انتقلت من الجانب الثقافي التنظيري إلى فضاء التجربة البشرية الحسية المباشرة، والثاني هو تعظيم سطوة العلم والتقنية في إطار ما بات يعرفُ بِـ «الثقافة الثالثة» التي وجدت دُعاتها والمروّجين لها في طائفة واسعة من الفيزيائيين وعلماء البيولوجيا والهندسة الوراثية والمشتغلين بالأنساق الرياضياتية والمعلوماتية ومطوّري الذكاء الاصطناعي، وهذا هو جوهر الأمر كلّه: المترجم الذي سينكفئ في مغارته الشكسبيرية القديمة لن يكون له موطئ قدم على الخارطة الترجمية في عصر ما بعد الإنسانية الذي سنشهد بواكيره في السنوات القليلة القادمة.

الترجمة وإشكالية صراع الحضارات والقيم المتضادة
أرى أنّ التعارضات الثقافية المفترضة مع ما توصف بأنها «ثوابتنا» القيمية ينبغي أن تكون موضع مكاشفة صارمة لا تقبل اللَّبْس أو المخاتلة، وينطوي هذا الكشف على إزاحة الأقنعة التي تتلفّع بها أسئلة كثيرة يراد إدامتها في منطقة الغموض والعتمة، ومن أهمّ تلك الأسئلة المزمنة التي طال عهدنا بها: مَن له سلطة تحديد الحد الفاصل بين ما يعدّ أخلاقيًّا أم غير أخلاقي؟ إذا تعمّدنا التدليس وغضّ الطرف والتغافل عن إجابات حاسمة لمثل هذا السؤال (وأسئلة أخرى نظيرة له) فسرعان ما سنجد أنفسنا تحت عجلات تطوّر علمي وتقني لن يرحمنا.

ثمة إشكالية أخرى في هذا الميدان؛ فليس الأمر مع الترجمة محض حقوق نشر وحسب؛ بل يمتد الأمر لهشاشة البنية القانونية والإدارية التي تختصّ بنشر الأعمال الإبداعية، وهي في حقيقتها هشاشة تطول كلّ بنياتنا المؤسساتية التي تتعامل مع حقل الأعمال الإبداعية، ولا مفرّ والحالة هذه من بعض الصبر بُغْيَة مراكمة الخبرة وتعزيز البنية الإدارية والقانونية السائدة في الهياكل المؤسساتية. الزمان خير مطبّب لمثل هذه المثالب البنيوية.

كتاب «عالم المعرفة» أنموذجًا رائدًا

أناييس نن

ثمة العديد من التجارب الترجمية المحترمة في عالمنا العربي، وليس للمرء إلا أن يذكر بكلّ التقدير تجربة كل من «مشروع كلمة» والسلاسل المصرية في الترجمة (مشروع الألف كتاب، إصدارات المركز القومي للترجمة،… إلخ)، مشروع المنظمة العربية للترجمة؛ لكنني أرى من جانبي أنّ مشروع كتاب «عالم المعرفة» هو المشروع الأكثر نجاحًا بين التجارب المؤسساتية للترجمة في عالمنا العربي.

لا يغيب عن بالي ذلك اليوم الشتائي من بواكير عام 1978م عندما وقع بيدي مطبوع جديد حينذاك بعنوان «الحضارة» جاء ضمن سلسلة ثقافية كويتية بعنوان «عالم المعرفة»، قرأت الكتاب بشغف وراقني كثيرًا الطاقم التحريري الذي يشرف على هذه السلسلة وبخاصة اسم الدكتور – الفيلسوف الراحل (فؤاد زكريا) الذي عمل لسنوات طويلة أستاذًا للفلسفة بجامعة الكويت والذي لطالما أتحفنا بمؤلفاته ومترجماته الفلسفية والفكرية الرائعة، ثمّ تناوب في السنوات اللاحقة بعض أهم الأسماء الثقافية العربية في الإشراف على هذه السلسلة الفريدة، ولو أردت ذكر مثال واحد فحسب لذكرتُ الدكتور (محمد الرميحي) الذي عمل رئيسًا لتحرير مجلة «العربي» الرصينة ذائعة الصيت لسنوات طويلة. تابعتُ هذه السلسلة الفريدة في كتاب «عالم المعرفة» منذ عام 1978م حتى يومنا هذا، وصار من تقاليدي الثقافية الشهرية التي أحرص عليها هو الحصول على نسخة من هذا الكتاب وقراءته كاملًا أو قراءة أجزاء مهمة منه في بعض الأحيان، وترسّخت لديّ خلال العقود الأربعة الماضية قناعة مؤكدة بأن هذا المطبوع الثقافي المهمّ يمثل جانبًا من أهم جوانب السياسات الثقافية المؤسساتية الناجحة على مستوى العالم العربي وربما العالم بأسره.

من المؤكّد ثمة عوامل عدة دعمت نجاح هذا المشروع الثقافي الرائد وأمدّته بوسائل الاستمرارية، وأوّل تلك العوامل هو توفّر السياسة الثقافية الداعمة لنشر الثقافة على أوسع رقعة جغرافية يمكن بلوغها في العالم العربي وبعض مناطق العالم كذلك بدفعٍ من رؤية ترى في المطبوع الثقافي وسيلة ناعمة من وسائل الارتقاء الحضاري إلى جانب ترسيخ سمعة الدولة الراعية لهذا المشروع وتقوية مكانتها الاعتبارية على الخريطة الجيو- سياسية في المنطقة والعالم بأسره، ثمّ يأتي عامل ثانٍ مكمّل للعامل الأوّل ويكمن في تبنّي المشروع في سياق هيكل مؤسساتي يؤمّن الدعم المالي اللازم للمشروع من غير تعثّر من جهة ويساعد على طباعة أعداد معقولة من هذا الكتاب من جهة أخرى، ولو علمنا أن سعر النسخة من الكتاب تُباعُ بما يعادل (دولارًا أميركيًّا واحدًا) وأنّ (ثلاثًا وأربعين ألف) نسخة من الكتاب تُطبَعُ شهريًّا لعلمنا حجم الدعم اللوجيستي والمالي الهائل الذي يقدّم لهذا المشروع الثقافي الرائد.

أمّا إذا شئنا الحديث عن هيكلية المواد المنشورة ضمن سلسلة «عالم المعرفة» لوجدنا أنها ابتعدت منذ البدء من المؤلفات والمترجمات السائدة في أوساط النشر العربية التي تعتمد على (الصرعات) الثقافية ذات الأسماء الرنّانة الفخمة واعتمدت بدلًا منها أعمالًا رصينة من الناحيتين الأكاديمية والفكرية في ميادين العلوم والفلسفة والدراسات الأدبية والثقافية، ويُلاحظ في هذا الشأن التأكيد على جبهات العلوم والمعارف المتقدمة والمشتبكة من جانب، والتأكيد على ترجمة الأعمال حديثة النشر من جانب آخر، وهذا ما يمنح هذه السلسلة خصوصية فريدة من نوعها بالمقارنة مع المطبوعات الأخرى.

لن تخفى على المتابع الجاد لهذه السلسلة الشهرية الراقية مدى التطوّر في اختيار العناوين الحيوية ذات المساس المباشر بأكثر الموضوعات المعرفية راهنية وتأثيرًا في حياة الإنسانية مثل: (الكوارث البيئية، وتأثير المعلوماتية في إعادة تشكيل الوعي الفردي، والدراسات المستقبلية،… إلخ). تجربة كتاب «عالم المعرفة» تجربة ثقافية رائدة بحقّ، وتستحقّ منّا جميعًا كلّ تقدير وعرفان.

تشخيصات واقع الحال
لا أرى مثلبة في توصيف حالنا كما تقول به الحقائق الصارمة على الأرض التي مفادها أننا عاجزون عن مواكبة التفجّر المعلوماتي في كلّ مناحي المعرفة؛ إنما لا ينبغي لهذا الاعتراف النبيل أن يكون واجهة أو تُكَأَة تخفي التقاعس والتكاسل في أداء واجباتنا الترجمية الممكنة، وهي ممكنات متعددة الآفاق وليست بقليلة أبدًا. إنّ أيّ تصوّر أحادي للنهوض الترجمي لا ينفصل -حاله في هذا مع أي جانب آخر من جوانب الحياة- عن الوضع العام الذي يقوم على أعمدة ثلاثة: السياسي والاقتصادي والثقافي؛ إذ سيكون من باب الأحلام اليوتوبية غير المنتجة أن نتصوّر إمكانية النهوض بجانب وسط تخلّف مدقع تعيشه الجوانب الأخرى، وبخاصة إذا كان الحديث يجري في سياق عمل مؤسساتي تنهض به الدولة.

إنّ الجهد المؤسساتي (سواء على مستوى الدولة أو القطاع الخاص) ينبغي أن يتمحور في مسألتين اثنتين فحسب: توفير تمويل مناسب بميزانيات معقولة، ثمّ توفير منفذ لوجيستي على صعيد اختيار الأعمال المطلوب ترجمتها مرورًا بفاعليات الإخراج والطباعة والتسويق.

أقدّم في النقاط التالية إشارات دليلية (أراها مرجعية) بشأن المثالب التي تكتنف الجهود الترجمية في عالمنا العربي: أولًا- تغليب شكل خاص من الأدب على المباحث المعرفية الأخرى: قد يشعر بعضٌ بدهشة غير مسبوقة إذ يراني -أنا الكاتبة المحسوبة على جمهرة الروائيين والأدباء- أرى في تغليب الأدب على ما سواه من الجبهات المعرفية مثلبة؛ لكني أرى الأمر طبيعيًّا بعد أن ينال كفايته من كشف الغطاء عن الخفايا الدفينة.

ليس الأدب مثلبة في ذاته بكلّ تأكيد مثلما لم يكن مثلبة في كلّ تأريخه؛ لكنّ المثلبة تكمن في أننا نستطيب الأدب الذي عرفناه قبل عقود عدّة من الزمن (وبخاصة في حقل الرواية) وننسى أنّ الأدب الحقيقي -كما العلم والتقنية- كينونة دينامية غير جامدة، وليس أمرًا غريبًا أبدًا أنّ العديد من الروائيين والأدباء العالميين صاروا أقرب إلى خبراء في ميدان العلم والتقنية والإشكاليات الفلسفية المعاصرة والمعضلات البشرية الكارثية التي باتت تهدّد الوجود البشري؛ وعليه لن يكون أمرًا مقبولًا بعد اليوم أن نتعامل مع الأدب المترجم وكأنه جزيرة معزولة يُراد منها توفير ملاذات للشعور بالسكينة الخادعة الأقرب إلى فعل (المكيّفات العقلية). المتعة مطلوبة في الأدب المترجم؛ لكنما المعرفة مطلوبة أيضًا، ولو أجرينا مسحًا عامًّا تقريبيًا لوجدنا أنّ أغلب الروائيين المرموقين في العالم (على شاكلة إيان ماك إيوان مثلًا) صاروا مهجوسين بكتابة روايات تتناول الوضع البشري في حقبة سيادة الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته الحاكمة؛ وعليه فإنّ من يتعمّد ترجمة الأعمال الأدبية (الخفيفة) التي تترك المرء يعيش تهويماته الزائفة إنما سيكون مشاركًا في «حفلة التفاهة» التي يصفها الروائي العالمي (ميلان كونديرا) في أحد كتبه المنشورة.

ثانيًا- الإيغال في الرطانات الفكرية التي جاءت بها صَرعات ما بعد الحداثة: لطالما تساءلتُ وأنا أنهي قراءة كتاب يتناول موضوعةً من الموضوعات ما بعد الحداثوية (بنيوية، تفكيكية، تحليل الخطاب، ألسنيات، سيميائية،… إلخ): هل تستحق هذه الرطانات اللغوية المفككة العبء المسفوح في ترجمتها؟ هل ستساهم في تعظيم رصيدنا الثقافي والارتقاء بذائقتنا البشرية؟ يبدو لي أنّ الارتماء في أحضان هذه الترجمات إنما هي (حيلة) يريدها بعضٌ لكي يتملّص من عبء المساءلة الدقيقة لمادته الترجمية فيما لو كانت في ميدان معرفي ذي قواعد ناظمة وحاكمة محدّدة؛ أما هذه التهويمات الموهومة بأوهام البلاغة المستحدثة والفصاحة الجديدة فليست سوى رطانات تهدر المال والوقت والجهد، وبخاصة بعد أن تراجعت حركة «ما بعد الحداثة» وأخلت مواقعها للمصنّفات العلمية والتقنية والفلسفية الرصينة. لم يعُد من اعتبار يذكر للرطانات اللغوية والفكرية المتعجرفة التي تدّعي السعي وراء الأفكار الكبيرة؛ بل صار المقياس الحاسم هو التأثير الإجرائي في طبيعة الحياة، ومفاعيل هذا التأثير في إعادة تشكيل الحياة بالكيفية التي يدركها الفرد في حيثيات حياته اليومية.

ثالثًا- أخدوعة (الإعداد) في الترجمة: ليست قليلةً تلك الكتب المترجمة التي يضع مترجموها على غلافها عبارة (ترجمة وإعداد)، وقد بلغ الأمر عندي مبلغ أن أتحسّب وأتوجّس خِيفةً من أن تكون تلك الأعمال منطوية على مثالب بسبب ذلك الإعداد الترجمي، والخِيفةُ عندي مسوّغة مشروعة لسببين؛ الأول هو معايشتي الميدانية والمهنية لفضاء الترجمة وما يعتوره من مكابدات ومشقات مضنية عندما عملت لسنوات طويلة في مجلة «الثقافة الأجنبية» العراقية، وأما السبب الثاني فهو عملي في حقل الترجمة ذاته، وقد أتاح لي هذا العمل قراءة الكثير من المصنّفات الترجمية والتعرّف إلى أسماء مترجمين عدة وأعمالهم الكثيرة كذلك، وبالطبع تتيح المعرفة المهنية جوانب مخفية يستكشفها العقل البشري الذي يقرأ قراءة مدققة هي غير القراءة المسترخية التي يسعى لها المرء بُغْية المتعة الخالصة وحسب.

أعود لعبارة «ترجمة وإعداد» هذه، فأقول: الترجمة فنّ مثلما هي أخلاقيات عمل، وهي -مثل أية مهنة سواها- تقوم على قاعدة أخلاقيات وأعراف عمل حتى لو كانت غير مكتوبة لكنّها راسخة عالميًّا ويعمل الجميع على هدي مبادئها التي لا تقبل الزيغ أو الانحراف. تحمل الترجمة بصمة المترجم وروحه في نهاية المطاف، وليس ذلك بالأمر المعيب أو المنقصة غير المحمودة؛ إذ كم قرأنا ترجمات مختلفة لعمل واحد بذاته اختلفت القيمة الترجمية فيه اختلافًا مشهودًا تسبّب في خفوت صيت ترجمة وإعلاء شأن أخرى، وليس كتاب «الاستشراق» للراحل طيب الذكر (إدوارد سعيد) ببعيد من الذاكرة! لست هنا معنية بجودة الترجمة وأدوات المترجم التي كُتِب عنها الكثير؛ وإنما أتوجّه بالتحديد لموضوعة «أخلاقيات الأمانة الترجمية»: كلّ كتاب يعتزم المترجم ترجمته هو أمانة ووديعة استودعها مؤلِّفُه بين يديه، والمرجوّ من المترجم أن يحافظ على هذه الوديعة بأقصى قدراته المستطاعة، ومن معالم حفظ الوديعة هو تجنّب الحذف أو الملاعبة أو الاستطراد أو التعبير عن النص المترجم بطريقة يجري معها إسقاط فكر المترجم ورغباته المسبقة على النص المترجم، وقد يجري الأمر لدى المترجم مجرى التيار الجارف والأهواء غير المنضبطة التي لا يستطيع لها دفعًا، وفي هذه الحالة يتوجّب عليه وضع أمانة الوديعة المترجمة ماثلةً أمام عينيه كلّما راوده هذا الهوس الشخصي الجارف في إسقاط أفكاره على المادة المترجمة.

ربّما تكون عبارة «إعداد وترجمة» مراوغة سيكولوجية وقانونية يُراد التعكّز عليها متى ما وُجِد في النصّ المترجم اختلافات كبيرة تحيد به عن الأصل، ولعلّ عبارة «إعداد وترجمة» في وقتنا الحاضر هي النظير المعاصر الملطّف لعبارة «ترجمها بتصرّف» شديدة الوقاحة التي كانت سائدة فيما مضى. كيف يجوّز بعض لنفسه التصرّف في وديعة فكرية بين يديه؟ حصل قبل بضعة شهور أن قرأت نصًّا في كتاب مترجم في حقل معرفي هو في صميم اهتماماتي منذ أمد بعيد، وهالني أن أقرأ في موضع منه حشدًا من المفردات التي تذكّرنا بكتاباتنا النقدية السائدة، وعندما عدتُ لمطابقة النصّ المترجم مع النص الأصلي أوجعتني الرخاوة التي تصرّف بها المترجم مع النص، والكمّ الفاحش من إسقاطاته الذاتية عليه. القاعدة في الترجمة إذن: الأمانة هي الأساس، والإضافة مقبولة إذا ما كانت مسوّغة ومؤشّرة بأنها للمترجم بقصد إثراء النص؛ أمّا الحذف والتلاعب والاجتزاء الكيفي وحرف المعنى عن أصله فتلك مثالب مستهجنة مرذولة.

رابعًا- غياب معالم عصر (ما بعد الإنسانية) في جهدنا الترجمي: بات مصطلح «ما بعد الإنسانية Posthumanism» في أيامنا هذه واحدًا من أكثر المصطلحات تداولًا، ويمتاز هذه المصطلح بخصيصة فريدة تجعله مختلفًا عن المصطلحات السابقة له؛ إذ إنّ هذا المصطلح هو الأول من نوعه الذي جرت هيكلته بدفعٍ من التطوّرات الثورية في العالم الرقمي وليس بتأثير مواضعات أيديولوجية صرفة -أو مطعّمة ببعض المؤثرات غير الأيديولوجية- مثلما كان يحصل سابقًا. يرتبط عصر «ما بعد الإنسانية» ارتباطًا وثيقًا مع الذكاء الاصطناعي والبيئة الرقمية، ولن يمكن فيه للإنسان متابعة استمرارية وجوده من غير دعمٍ «جزئي أو كلي» من الوسائط الرقمية التي ستتجاوز مرحلة الوسائط الخارجية (مثل الذاكرات الحافظة للبيانات، الهواتف النقالة، قارئات الكتب والنصوص،… إلخ) لكي تصل مرحلة التداخل البيولوجي مع وظائف الكائن الحي (الرقاقات المزروعة في الدماغ البشري، أجهزة تدعيم السمع أو الرؤية، الوسائط التي تسمح بخلق بيئات افتراضية ذات سمات محددة.

ماذا نحن فاعلون إزاء مرحلة «ما بعد الإنسانية» هذه؟ صحيح أن الكثير من بلدان العالم قد لا تكون مساهمة مباشرة في هذه الثورة الرقمية؛ غير أنّ الأهمّ هو أن نعرف كيف نتعامل مع نتائجها ومفاعيلها؛ كيف سنتعامل مع حقل التعليم الذي سيشهد ثورة جذرية تعيد تعريف دور كل من الطالب والأستاذ والبيئة التعليمية؟ كيف سنتعامل مع فرص العمل التي ستشهد ولادة أعمال جديدة مثلما ستشهد اختفاء أعمال أخرى؟ إنّ الجهد الترجمي العربي يبدو فقيرًا جدًّا في هذا الميدان؛ وهو الأمر الذي ينبغي التنبّه إليه ومعالجته بصورة جذرية بدلًا من المكوث في دوّامة الترجمات العبثية التي لا تتحسّس نبض العصر القادم عمّا قريب.

خامسًا- غياب المترجمات الخاصة بالفروع المعرفية المتداخلة: صارت الفروع المعرفية المتداخلة Interdisciplinary واحدة من أهمّ السمات المميزة لعصرنا هذا وإلى الحدّ الذي ما عدنا فيه اليوم نقرأ موضوعات في الجبهات المتقدمة للعلم والتقنية من غير أن نلمح أثرًا من هذا التداخل المعرفي، ولعلّ شيوع نظرية الأنساق Systems Theory هو العنصر الأكثر فاعلية الذي ساهم في إشاعة هذا النمط المتداخل بين المباحث المعرفية وبما يمنحنا رؤية كلية للحياة والفكر والكائن البشري بدلًا من اعتبارهم جزرًا معزولة. إنّ مباحث مثل: السيكولوجيا الاحتسابية Computational Psychology، أوالفلسفة العصبية Neurophilosophy، أو النظم الدينامية الفوضوية Chaotic Dynamic Systems،… إلخ، ما عادت مباحث تبعث على الدهشة لدى الشغوفين؛ لذا يتوجّب أن تحوز مثل هذه المباحث حصةً معقولة من الوليمة الترجمية.

مباحث معرفية ينبغي التركيز عليها
أقدّم أدناه قائمة بالموضوعات المعرفية التي أراها مستحقة لأن تنال جهدًا إستراتيجيًّا على الصعيد الترجمي، ولا حاجة لي لتأكيد أنّ هذه الموضوعات قد تكون (في الأعمّ الأغلب) بعيدة من الذائقة الترجمية المتداولة؛ لأنها تتطلّب نمطًا غير سائد من الخبرة الشخصية والشغف العارم والإعداد المسبق؛ لذا لا يمكن النهوض بمثل هذا العبء في غياب جهد مؤسساتي مدعوم من جهات (حكومية أو غير حكومية) ذات قدرات ممتازة على صعيد القدرة المالية والخبرة الإدارية والتسويقية:

مبحث الذكاء الاصطناعي (مفهومه وفلسفته وتأثيراته المستقبلية).
مبحث ما بعد الإنسانية Posthumanism والإنسانية العابرة Transhumanism. 3. مبحث التواريخ الكبيرة Big Histories (إعادة كتابة التأريخ بطريقة الأنساق الكلية بدلًا من السرديات الوقائعية السائدة).
مبحث تأريخ العلوم وفلسفتها (فيزياء، رياضيات، بيولوجيا. اقتصاد، سوسيولوجيا، أنثروبولوجيا).
المباحث الفلسفية الحديثة (مع ضرورة مغادرة السياقات العتيقة التي تركّز على التواريخ المجرّدة والأطروحات المُعادة، والتركيز بدلًا من ذلك على القيمة اليومية والإنسانية للفلسفة).
السّيَر الخاصة بالعلماء والمفكرين المميزين (توفّر هذه السير حافزًا رائعًا للإنجاز العلمي والفكري وبخاصة لدى الشباب).
مباحث تأريخ الأفكار.
المباحث الخاصة بسياسات التعليم المستقبلية.
المباحث الخاصة بسياسات الوظائف المستقبلية.
المباحث الخاصة بسيكولوجيا البيئات الرقمية.
المباحث الخاصة بالثورة التقنية الرابعة.
المباحث الخاصة بالتطورات الثورية في الفيزياء.
المباحث الخاصة بسياسات الطاقة المستقبلية.
المباحث الخاصة بالتقنية الحيوية والهندسة الوراثية.
المباحث الخاصة بالمخاطر العالمية المهددة للوجود الإنساني (فرط الاحترار الأرضي، الأنماط المناخية المتطرفة، معضلات هجرة الكتل البشرية بين الجغرافيات المختلفة، الأغذية المعدّلة وراثيًا).
المباحث الخاصة بسياسات التعددية الثقافية وأنثروبولوجيا التواصل البشري بين المجتمعات البشرية.
السلاسل الترجمية: ضرورة قصوى
ربّما لا يخفى على الكثيرين تلك السلسلة من الكتب التي تتناول شتى العناوين المعرفية متبوعة بعبارة (مقدّمة قصيرة جدًّا A Very Short Introduction): إنها سلسلة الكتب الذائعة الصيت التي ما زالت جامعة أُكسفورد العريقة مواظبةً على نشرها منذ عقود عدة، ولا ينبغي أن تذهب الظنون ببعضٍ فيتصوّرُ أنّ تلك المؤلّفات المختصرة محض تعريف مبتسر بالموضوعات التي تتناولها؛ بل الحقّ أنّها تعتمد مقاربة شديدة الصرامة هي أقرب إلى خريطة عمل معتمدة في كلّ تلك المؤلّفات يُرادُ منها تقديم مسح معرفي مختصر يلمّ بمعظم جوانب الموضوع المطروق، ثمّ ينتهي الكتاب بقائمة مقترحة من المصادر والقراءات المنتخبة الثرية. لا بأس أيضًا من الإشارة هنا إلى وجود الكثير من مقدّمات أكسفورد المختصرة المُعرّبة متاحة بالمجّان على الشبكة الإلكترونية بطريقة تفي بمتطلبات حقوق النشر، وهي -كما أحسب- إحدى المناجم المعرفية الثرية لمن يبتغي حيازة معرفة مناسبة ورصينة في شتى مظانّ المعرفة؛ ولكن تبقى الحاجة قائمة لترجمة ما لم يترجم منها بعدُ بقصد توفير منصّة معرفية رصينة للقارئ العربي.

ليست جامعة أكسفورد وحيدة متفرّدة في جهدها الساعي لنشر المعرفة وترويجها على أوسع نطاق ممكن؛ بل ثمة الكثير من الجامعات الرصينة سواها، وأشير هنا إلى تجربة ثانية -بين سواها من التجارب- وهي تجربة جامعة ييل الأميركية التي دأبت منذ سنوات عدة على نشر دراسات مختصرة في فروع معرفية محدّدة تحت عنوان جامع هو: مختصر تأريخ الـ… A Little History of …))، وكم قضيتُ أوقاتًا ممتعة في قراءة بعض تلك العناوين المثيرة. يمكن الإشارة أيضًا إلى سلسلة «المعرفة الأساسية Essential Knowledge Series» الرائعة التي يصدرها معهد ماساتشوستس التقني MIT الأميركي، وتعدّ هي الأخرى منصّة رائعة لتوفير معرفة رصينة من مؤسسة أكاديمية بحثية لطالما وصفت بأنها (المطبخ التقني) الأكثر أهمية في عالمنا.

إنّ ممّا يلفت النظر هو أنّ صناعة الترويج المعرفي ما عادت فاعلية مقتصرة على المؤسسات الجامعية الأكاديمية؛ فقد بتنا نشهد الكثير من السلاسل المعرفية التي تنشرها دور النشر العالمية الرصينة، ومَنْ يتابع تلك الإصدارات يعرف حتمًا بعض أهمّ تلك السلاسل وربّما يكون قرأ بعضًا منها، ولعلّ سلسلة «راوتليدج للأساسيات Routledge Basics » هي مثال واحد فحسب بين دور النشر. المعرفة في وقتنا الحاضر غدت منتجًا إنسانيًّا ثقافيًّا ذا وجهين؛ فهي من جانب تمثّل جوهر الرأسمال الرمزي الذي تتشكّل منه الثقافة البشرية، ومن جانب آخر هي سلعة مثل كلّ السلع تخضع لمؤثرات الترويج والدعم؛ ولمّا كانت البشرية على بوّابة منصّة انطلاق غير مسبوقة تجاه مستقبل واعد بالكثير من الممكنات -والكوارث- التقنية والعلمية فسيكون من المحتّم جعل المعرفة بكل جوانبها متاحة للجميع، وبخاصة في عصر العوالم الرقمية التي يسّرت تداول كلّ أشكال المعرفة.

المعرفة قوّة كما نعرف، وهي متطلّب أساسيّ للارتقاء البشري مثلما هي حقّ طبيعي كسائر الحقوق المعتمدة للبشر، وما لم تصبح المعرفة متاحة للجميع عبر كلّ الوسائط الممكنة فلن يكون بوسعنا الحديث عن بيئة تحترم كلّ حقوق الإنسان، وليت جامعاتنا وكلّ مؤسّساتنا الثقافية الحكومية والخاصة تبادر إلى ترجمة كلّ هذه الذخائر المعرفية المتاحة بصيغة سلاسل مميزة تصبح معروفة للقارئ.

جهودنا الترجمية في عالمنا العربي عشوائية، فردية الطابع، تفتقد اللمسة المؤسساتية وسياقات العمل الإداري المنضبط، وأمامنا رحلة شاقة في عصر بواكير الثورة التقنية الرابعة التي باتت تطرق أبوابنا بقوة.

  • نُشرت المقالة لأول مرة في مجلة الفيصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى