عام

جيمس بالدوين: ذنب الرجل الأبيض.

ترجمة: سارة مبارك وإبراهيم الشريف.

[كتب جيمس بالدوين هذا المقال في ستينيات القرن الماضي، في خضم حراك الحقوق المدنية المناهض للعنصرية. ورغم مرور 55 سنة على كتابة المقال إلا إن ما تحدث عنه بالدوين مازال حاضرًا إلى يومنا هذا؛ فالتاريخ، كما يقول بالدوين، “حاضرٌ فعليًا في كل ما نفعله”. نرى اليوم ما يحدث في الولايات المتحدة وفي دولٍ أخرى كثيرة من مناهضةٍ للعنصرية (المجتمعية والمؤسساتية)، ونرى محاولة قمع هذه الحراكات، لا بالقوة وحدها، ولكن بالتكتم على المشكلة من خلال معاملة التاريخ على أنه سجّلٌ لأحداثٍ قديمة. نرى هذا في إنكار مجتمعات الغرب الأطلسي (أوروبا والولايات المتحدة) وجودَ مشاكل عنصرية واستعمارية في مجتمعاتهم ومؤسساتهم. ونراه كذلك في قضايانا الإقليمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: إنكار وجود القضية الفلسطينية (سواءً كان هذا الإنكار صهيونيًا-إسرائيليًا ينفي وجود الفلسطينيين، أو متصهينًا-عربيًا ينفي وجود القضية متحجّجًا ببيع الفلسطينيين لأراضيهم مثلًا)، إنكار وجود عنصرية ضد السود (السود إخوتنا وأي عنصرية تبدر منIا هي مجرد تصرفات خاطئة بطيب نية)، إنكار سلب حقوق المرأة (المرأة تتمتع بكامل حقوقها بل قد تُعامل أفضل من الرجل)، إنكار اضطهاد العمالة الوافدة (حالات فردية وهم ضيوف عندنا ثم لا تنسَ أن المواطن أيضًا يعاني)، وهلمّ جرًا. كل شيءٍ يُنكر، يُعامل الحاضر على أنه تاريخٌ قديمٌ انتهى، ويصير الخطاب إلى حالةٍ دفاعيةٍ دائمة. الأمر الذي يُذكّرنا بما قالته سارة أحمد عن واقع اضطرار النضالين النسوي والمناهض للعنصرية، للتحوّل من مواجهة مشاكل التحيز الجنسي ضد النساء ومشاكل العنصرية، إلى إقناع الآخرين بوجود هذه المشاكل. ولذلك، أي لأهمية التعامل مع التاريخ بصفته حاضرًا ولأهمية الاعتراف بوجود المشاكل من أجل حلها، ارتأينا أن نترجم هذا المقال.]

كثيرًا ما تساءلت، تساؤلًا غير بهيج، عمّا يتكلّم عنه الأمريكيون البيض بالضبط، مع بعضهم بعضًا.

أتساءل، لأنهم في نهاية المطاف لا يبدو أن لديهم الكثير ليقولوه لي، وقد توصلت قديمًا إلى أنهم يرون لون بشرتي حاجزًا. هذا اللون يبدو أنه يعمل عمل مرآةٍ مزعجةٍ جدًا، وجزءٌ كبيرٌ من طاقة المرء يُستنفد في طمأنة الأمريكيين البيض أنهم لا يرون ما يرونه.

من المؤكد أن الأمر عقيمٌ كليًا؛ بما أنهم يرون ما يرونه بالفعل. وما يرونه هو تاريخٌ قمعيٌّ على نحوٍ مرعبٍ ودموي، معروفٌ للعالم كلّه. إن ما يرونه هو حالةٌ مأساويةٌ، مستمرةٌ، حاضرةٌ، تُذعرهم؛ وهم مسؤولون عنها مسؤوليةً لا مناص منها. ولكن بما أنهم يبدون مفتقرين، جوهريًا، للطاقة اللازمة لتغيير هذا الوضع؛ فهم يُفضِّلون ألّا يُذكَّروا به. أيعني هذا أنهم، في أحاديثهم مع بعضهم بعضًا، لا تصدر عنهم غيرُ أصواتٍ مُطمْئِنة؟ إمكانية حدوث ذلك تبدو مُستبعَدةً، ولكنها من جهةٍ أخرى، تبدو محتملةً جدًا. على كلِّ حال، أيًا كان ما يمنحونه لبعضهم بعضًا، فهو بالتأكيد ليس التحرّر من الذنب. الذنب يبقى أعمقُ تجذّرًا وأرسخُ ثباتًا مِن أقدم الأشجار القديمة.

الاضطرار للتعامل مع مثل هؤلاء الناس بإمكانه أن يكون مرهقًا إرهاقًا لا يمكن التلفّظ به؛ فهم، ببراعةٍ مدهشةٍ فعلًا وألمعيةٍ دؤوبةٍ، يدافعون عن أنفسهم دفاعًا أبديًا في مواجهة اتهاماتٍ لم يوجِّهها لهم المرءُ فعلًا في الوقت الراهن، بصرف النظر عن إمكانيةٍ كون المرء مرآةً مزعجةً. لا يحتاج المرء لتوجيه تلك الاتهامات. السجّل متاحٌ وباستطاعة الجميع الاطلاعُ عليه. إنه يتردد في كل أنحاء العالم، كما لو كان مكتوبًا على صفحة السماء. يتمنى المرء لو أن الأمريكيين، الأمريكيين البيض، يقرأون هذا السجّل، لمصلحتهم، ويوقفون دفاعهم عن أنفسهم في مواجهته. حينها فقط سيتمكنون من تغيير حيواتهم.

واقع أنهم لم يستطيعوا حتى الآن فعل ذلك -أن يواجهوا تاريخهم، أن يغيروا حيواتهم- يُهدِّد هذه البلاد على نحوٍ بشع. بل إنه يهدِّد العالم كله.

أيها الرجل الأبيض، اسمعني! التاريخ، كما لا يعرف أحدٌ تقريبًا، ليس فقط مُجرّد شيءٍ يُقرأ. إنه لا يشيرُ فقط إلى الماضي بصفته موضوعَه الوحيد أو حتى موضوعَه الأساسيّ. بل على العكس من ذلك، إنّ قوة التاريخ الهائلة تأتي من حقيقة كوننا نحمله داخلنا، ونخضع لتحكّمه بنا من عدة أوجهٍ دون وعينا بذلك؛ إن التاريخ حاضرٌ فعليًا في كل ما نفعله. من المستبعد أن يكون الأمر خلاف ذلك، ما دمنا نَدين للتاريخ بأُطُر مرجعياتنا، بهوياتنا، وبطموحاتنا. بألمٍ وذُعرٍ شديدين يبدأ المرء في إدراك ذلك. بألمٍ وذعرٍ شديدين يبدأ المرء في تقييم التاريخ الذي مَوضَعَهُ حيث هو، وشكّل وجهة نظره. بألمٍ وذعرٍ شديدين لأن المرء، تبعًا لذلك، يدخل معركةً مع ذلك المخلوق التاريخي: الذات، ويحاول أن يعيد خلق ذاته وفقًا لمبدأ أكثر إنسانيةً وأكثر تحريرًا: يبدأ المرءُ محاولةَ تحقيق مستوىً من النضج والحرية الشخصيتين؛ مستوىً ينزع عن التاريخ سلطته الاستبدادية، ويُغيّر التاريخَ أيضًا.

ولكن، كما هو واضح، أنا أتكلم بصفتي مخلوقًا تاريخيًا اضطُّر إلى الاحتجاج على تاريخه والتصارع معه وفي النهاية قبوله، على نحوٍ مرير، حتى أُخرج نفسي منه. وجهة نظري يُشكِّلها بالتأكيد تاريخي، ومن المرجح أن المخلوقَ الذي يَبغضُهُ التاريخ هو الوحيد الذي يرى التاريخ على أنه مسألةٌ إشكالية. من جهةٍ أخرى، الأشخاص الذين يتخيّلون أن التاريخ يثني عليهم (كما يفعل بالطبع؛ فهم الذين كتبوه) مثبَّتون على تاريخهم مثل فراشةٍ على دبوس فيصيرون غير قادرين على إبصار وتغيير أنفسهم، أو العالم.

هذا هو الموقع الذي أظن أن أغلب الأمريكيين البيض يجدون أنفسهم فيه. مُثبَّتون. إنهم مدركون إدراكًا خافتًا، أو متّقدًا، أن التاريخ الذي لَقّنوه أنفسهم: هو بشكلٍ أساسيٍّ كذبة، ولكنهم لا يعرفون كيف يُخلِّصون أنفسهم منه؛ فيُعانون معاناةً شديدةً بسبب ما ينتج عن ذلك من تهافتٍ شخصي. إن هذا التهافت أوضحُ ما يكون حين يُسمع في الحوارات المرتبكة المذعورة التي يخوضها أحيانًا أمريكيون بيض مع ذاك الضمير الأسود: الرجل الأسود في أمريكا. طبيعة هذا الارتباك يمكن اختزالها إلى صيغة دفاعية: لا تلمني أنا، لم أكن هناك. لم أفعل ذلك. تاريخي لا علاقة له البتة بأوروبا أو تجارة العبيد. على أية حال، رؤساء قبائلك أنت باعوك لي أنا. أنا لم أكن موجودًا في الممر الأوسط,[1] لستُ مسؤولًا عن مصانع النسيج في مانشستر، أو حقول القطن في المسيسيبي.[2] إلى جانب ذلك، فكّر في معاناة الإنجليز أيضًا في تلك المصانع وتلك المدن الُمريعة! أنا أيضًا أبغض حُكام الولايات الجنوبية ومأموري شرطة المحافظات الجنوبية[3]، أنا أيضًا أريد لطفلك أن يحصل على تعليمٍ جيد وأن يرتقي بالعلو الذي تسمح به إمكانياته. لا مشكلة عندي معك، بتاتًا! ما مشكلتك أنت معي أنا؟ ما الذي تريده أنت؟ ولكن، في اليوم ذاته، في تجمّعٍ آخر، وفي أكثر حجرات قلبه سِريّةً، يبقى الأمريكي الأبيض فخورًا، دائمًا، بذلك التاريخ الذي لا يريد أن يدفع ثمنه، التاريخ الذي ربح منه الكثير ماديًا.

في اليوم ذاته، في تجمّعٍ آخر، وفي أكثر حجرات قلبه سريةً، يجد الأمريكي الأسود ذاته في مواجهة قائمة مفقوديه الفظيعة: المدمن الأسود الميت، الأب الأسود المهزوم، الأم السوداء المنهَكة إنهاكًا يفوق الوصف، الفتاة السوداء المُدمَّرة دمارًا يفوق الوصف. يشرع المرء يُفكّر في شيءٍ مريع: أن الناس يعتقدون باستحقاقهم لتاريخهم، وهم إذ يتصرّفون وفق هذا الاعتقاد، يَهلَكون. ولكنّ المرء يعرف أنهم نادرًا ما يستطيعون تفادي الاعتقاد باستحقاقهم لتاريخهم: الوقت القصير الذي يمضيه المرء على هذه الأرض غامضٌ جدًا ومظلمٌ جدًا وعصيبٌ جدًا. لقد عرفتُ الكثير من الرجال السود والنساء السوداوات والفتيان السود والفتيات السوداوات الذين كانوا يعتقدون فعلًا أن من الأفضل أن تكون أبيض لا أسود، فتدمرت حيواتهم أو انتهت بسبب هذا الاعتقاد؛ وأنا ذاتي حملتُ بذور هذا التدمير في داخلي زمنًا طويلًا.

إن اعتقدتُ الآن، بصفتي رجلًا أسود، اعتقادًا عميقًا باستحقاقي لتاريخي واستحقاقي لأن أُعامَل كما أُعامَل، فعليّ أيضًا أن أعتقد، على نحوٍ يودي بي، باستحقاق البيض لتاريخهم، واستحقاقهم للسلطة والمجد المُثبَت امتلاكهم لهما إثباتًا تُؤكّده لي شهادتهم هم، والأدلة التي أدركها أنا بحواسّي. وإن كان السودُ يقعون في هذا الفخ، فخ الاعتقاد باستحقاقهم لمصيرهم، فالبيض يقعون في فخٍ أكثر تدويخًا وتعقيدًا: فخ الاعتقاد باستحقاقهم لمصيرهم وأمنهم مقارنةً بغيرهم، ولذلك فليس على السود أن يفعلوا إلا كما فعل البيض حتى يرتقوا إلى حيث يوجد البيض الآن. إلا إنّ هذا لا يمكنُ التصريحُ به؛ ليس فقط لأسبابٍ مُتّصلةٍ بالكياسة أو الإحسان، ولكن أيضًا لأن البيض يحملون في داخلهم خوفًا، مكتومًا بحرص، من تشوّق السود لأن يفعلوا للآخرين ما فُعِل بهم. أيضًا، فإن تاريخ البيض قد أدى بهم إلى موقع تخوِّفٍ وحيرةٍ، أخذوا يفقدون فيه صلتهم بالواقع -أي يفقدون صلتهم بأنفسهم-، موقعٍ من المؤكّد أنهم ليسوا سعيدين كليًا فيه؛ فهم يعرفون أنهم ليسوا آمنين حقًا. إنهم لا يعرفون كيف حدث هذا، ولا يجرؤون على التفكير في كيفية حدوثه. فمن جانبٍ، هم نادرًا ما يجرؤون على فتح حوار، الذي، لو كان صادقًا، لوجب تحوّله إلى اعتراف -تلمُّس المساعدة والشفاء، هذا التلمّس، في رأيي، أساس كل الحوارات-. ومن جانبٍ آخر، فإن الرجل الأسود نادرًا ما يجرؤ على فتح حوار، الذي، لو كان صادقًا، لوجب تحوّله إلى اعترافٍ شخصيٍّ يتضمّن اتهامًا على نحوٍ يودي به. ولكن، إن عجزنا عن فعل ذلك، فسيهلكُ كلانا في تلك الفخاخ التي ما انفككنا نصارعها منذ أمدٍ بعيد.

الحالة الأمريكية غريبةٌ جدًا، وقد تكون الأولى من نوعها في العالم. لا ستار تحت السماء أثقل من ستار الذنب والكذب الذي يختبئ وراءه الأمريكيون البيض. هذا الستار قد يتضح أنه أشد فتكًا بحيوات البشر من ذاك الستار الحديدي الذي نتحدث عنه كثيرًا، ولا نعرف عنه إلا القليل.[4] الستار الأمريكي هو اللون. اللون. الرجال البيض استخدموا هذه الكلمة، هذا المفهوم، لتبرير جرائم يعجز عنها الوصف، لا في الماضي فقط، بل في الحاضر أيضًا. بإمكان المرء أن يقيس بدقةٍ شديدةٍ المسافة التي تفصل الأمريكي الأبيض عن ضميره -عن ذاته- وذلك برصد المسافة التي تفصل بين أمريكا البيضاء وأمريكا السوداء. كل ما على المرء فعله هو أن يسأل نفسه: مَن أنشأ هذه المسافة، لحماية مَن صُمِّمت هذه المسافة، وما الذي يُراد الاحتماء منه بتصميم هذه المسافة؟

رأيتُ كل ذلك بوضوحٍ بالغ، على سبيل المثال، في أعين رجال شرطةٍ جنوبيين يصدّون، مثلًا، باب محكمة. كانوا يقفون هناك، كلهم رفاق، يمتلكون سلطةً اجتماعية، بخوذاتهم، بهراواتهم، بمسدساتهم، بعصي الماشية الكهربائية خاصتهم[5]. في مواجهتهم وقف ناس سود عُزَّل -أو، لتحرّي الدقّة، كانت تواجههم مجموعة ناس عُزّل يُسمّون اعتباطًا سود، لكن ألوانهم تتباين فعليًا من السهوب الروسية إلى القرن الذهبي [التركي] إلى زنجبار. في لحظة، ولأنه لم يكن يستطيع حلَّ الموقف بأي طريقةٍ أخرى، مأمور الشرطة هذا، نائب الشرطة هذا، هذا المواطن الأمريكي النبيل، بدأ في ضرب هؤلاء الناس بالهراوة. بعض هؤلاء الناس قد تربطهم به صلة دم. إنهم بلا ريب مرتبطون بالمربية السوداء في ذاكرته ورفاق لعبه السود في طفولته. وهكذا، لوهلةٍ بدا أنه يتوسّل الناس الذين يواجهونه: ألّا يُرغموه على ارتكاب جريمةٍ أخرى وألّا يزيدوا من عمق محيط الدمِّ الغارقِ فيه ضميرُه، ذاك المحيط الذي تهلك فيه رجولته. الناس لم يتراجعوا طبعًا؛ حين ينهض الناس، فإنهم لا يتراجعون أبدًا (معلومةٌ يتوجب تضمينها في كتيب إرشادات المارينز[6]). وهكذا ارتفعت هراوته، وسالت الدماء، فتراكمت مرارته وعذابه وذنبه.

ولقد رأيتُ ذلك في أعين الشرطة المبتدئين في هارلم،[7] شرطةٍ مبتدئين كانوا في الواقع الأشخاص الأكثر خوفًا في العالم، والذين كان عليهم أن يخدعوا أنفسهم بأن المدمن الأسود، الأم السوداء، الأب الأسود، الطفل الأسود كانوا من فصيلةٍ بشريةٍ مختلفةٍ عنهم. مأمورو الشرطة الجنوبيون والشرطة المبتدئون يعجزون، وأظن أنهم مازالوا عاجزين، عن التعامل مع حيواتهم وواجباتهم إلا عن طريق الاختباء خلف ستار اللون – ستار يصير فعليًا، في نهاية المطاف، تبريرهم الأساسي لحيواتهم التي يعيشونها.

ولذلك فهم سيتحصنون وراء هذا الستار ويستمرون في ارتكاب جريمتهم، يستمرون في الجريمة الكبرى غير المعترف بها،جريمة ما ارتكبوه في حق أنفسهم.

أيها الرجل الأبيض، اسمعني! الرجل رجلٌ، المرأة امرأةٌ، الطفل طفلٌ. إنكار هذه الحقائق فتحٌ للأبواب على فوضى أعمق وأشد فتكًا، فوضى تكون على مدى عمر الإنسان أكثر خلودًا وأبديةً من تصوّر القرون الوسطى للجحيم. أيها الرجل الأبيض، لقد توصلتَ أصلًا إلى هذه الهرطقة الفظيعة من أجل كسب المال. لا يمكنك مقاومة الأشياء التي تكتنزها -وهو السبب الوحيد لاكتنازك لها، مثل مدمنين يكلّفهم إدمانهم مئة دولار في اليوم-، وأموالك موجودةٌ على الورق فقط. فليُنقذك الرب في ذلك اليوم الذي يُصرّ فيه الشعب على معرفة ما يكمن وراء ذلك الورق. ولكن، حتى بتجاوز ذلك، من المرعب التفكير في الطبيعة الدقيقة للأشياء التي قد اشتريتَها بالأجساد التي بعتها – الأشياء التي مازلت تشتريها بالأجساد التي مازلت تبيعها. إلى أي شيءٍ تتجه، بالضبط؟ في سبيل أي مُنتَجٍ بشريٍّ، بالضبط، تبذل كل هذا الابتكار، كل هذه الطاقة؟

في رواية السفراء لهنري جميس، التي نُشرت -بفترةٍ وجيزةٍ- قبل موته، يروي المؤلف قصة رجلٍ في منتصف عمره من نيو-إنجلند، تكلّفه عروسته المستقبلية، أرملة في منتصف عمرها، بمهمة إنقاذ ابنها الوحيد من مواخير باريس. تريد من ابنها العودة حتى يتولى إدارة مصنع العائلة. في الرواية، كان الرجل النيو-إنجلنديّ الكهل، السفير، هو مَن أُغري؛ لم تغرِه باريس قدر ما أغرته نظرةٌ جديدةٌ أقل نفعيةً للحياة. إنه ينصح الشاب: “عِش، عِش قدر ما تستطيع، من الخطأ ألّا تفعل”. وهو ما أترجم معناه إلى: “ثق بالحياة، وهي ستعلِّمك، في الأفراح والأتراح، كلَّ ما تحتاجُ لمعرفته”. موسيقيو الجاز يعرفون هذا. شيوخ وعجائز مونتِجُمري – الذين لوّحوا وغنوا وبكوا دون أن يستطيعوا الانضمام إلى المسيرة[8]، ولكنهم أوصلوا كثيرين منا إلى المكان الذي نستطيع الانطلاق منه في مسيرة- يعرفون هذا. ولكن الأمريكيين البيض لا يعرفون هذا. إنهم متحصنون داخل تاريخهم، يبقون عالقين في ذاك المصنع الذي يعود إليه الابن، في رواية هنري جيمس. لا نعرف أبدًا ما الذي يُنتجه هذا المصنع، فجيمس لا يقول لنا ذلك. إنه يُلمّح فقط إلى أن المصنع، بتضحيةٍ بشريةٍ غير معقولة، يُنتج أشياء غير مسماة.

أغسطس/آب 1965

هوامش
[1] “الممر الأوسط” اسمٌ توصف به مرحلة من مراحل “تجارة العبيد المثلثية”. كانت أوروبا تشحن البضائع إلى أفريقيا مقابل السود المستعبدين (الضلع الأول في المثلث)، ثم يُنقل السود المستعبدون إلى الأمريكيتين مقابل المواد الخام (الضلع الثاني في المثلث و”الممر الأوسط”)، ثم تُشحن المواد الخام إلى أوروبا (الضلع الثالث) – المترجمة والمترجم.

[2] في القرن التاسع عشر تحولت مانشستر، في إنجلترا، إلى مدينة صناعية، وقد مثّلت مصانعها قمة الاستغلال الرأسمالي للطبقات العاملة (حيث كان يعمل الرجال والنساء والأطفال في المصانع مقابل أجورٍ زهيدة). من بين تلك المصانع كانت هناك مصانع نسيج تستقبل القطن من الولايات المتحدة، القطن الذي كان يقطفه المستعبدون السود في حقول الولايات الجنوبية الأمريكية، مثل ولاية مسيسيبي. جدير بالذكر أن عمال مصانع مانشستر تضامنوا بقوة مع قضية تحرير السود في الولايات المتحدة وأظهروا دعمهم لهم أثناء الحرب الأمريكية الأهلية – المترجمة والمترجم.

[3] ارتبط تاريخ الولايات الجنوبية الأمريكية ارتباطًا وثيقًا بالعنصرية: استعباد السود في الحقول والمتاجرة بهم، رفض تحرير السود أثناء الحرب الأهلية الأمريكية، وعرقلة تحقيق مطالب السود المدنية والدستورية في ستينيات القرن العشرين (زمن كتابة المقال) – المترجمة والمترجم.

[4] “الستار الحديدي” هو الحد الفاصل بين المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية) والمعسكر الغربي (دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة) أيام الحرب الباردة – المترجمة والمترجم.

[5] عصي كهربائية تُستخدم لنخس الماشية لحثها على الحرث وذلك بصعقها بشحنة كهربائية. انتقل استخدام هذه العصي من نخس الماشية إلى ضرب البشر، فصارت من أسلحة رجال الأمن يستخدمونها ضد المتظاهرين والسجناء – المترجمة والمترجم.

[6] في الأغلب يشير بالدوين إلى كتيب إرشادات قوات المارينز الأمريكية، وهي قد تكون إِشارة ناقدة للحرب الفيتنامية (1955 – 1975)، أو قد تكون إشارة ناقدة لعسكرة الدولة، الأمر الذي يحدث كثيرًا في الولايات المتحدة لمواجهة مظاهرات السود، كما يحدث هذه الأيام (يونيو 2020) في مواجهة مظاهرات Black Lives Matter – المترجمة والمترجم.

[7] هارلم حي من أحياء مدينة نيويورك الأمريكية، مشهور بسكانه السود ومرتبط بالثقافة السوداء في تاريخ الولايات المتحدة المعاصر، ومنه خرج العديد من مشاهير النضال والفن الأسود في الولايات المتحدة، ومن بينهم جيمس بالدوين نفسه المولود في هارلم – المترجمة والمترجم.

[8] مسيرة سليمة ضمن حراك الحقوق المدنية المناهض للعنصرية خلال الستينيات في الولايات المتحدة، سار فيها المتظاهرون من مدينة سيلما إلى مدينة مونتِجُمري في ولاية ألاباما (الجنوبية) احتجاجًا على السياسات العنصرية (مثل قوانين الفصل العنصري) ومطالبةً بحقوق السود المسلوبة (مثل حق التصويت) – المترجمة والمترجم.

  • نُشرت الترجمة لأول مرة في مجلة جدلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى