مقالات

50 خرافة يصدقها الناس

جاري هاريسون

ترجمة : محمد صدقه 

 التــفــكــيــر الــســحــري

 

الفصل الأول

” أنا أؤمن بالظواهر الخارقة والظواهر الغير طبيعية.”

 الشيء الوحيد الذي سيتقلص عند التحقق منه هو الخطأ، ليس الحقيقة

توماس باين –

كل يوم نواجه قوى خارقة، ظواهر غير طبيعية أو معتقدات استثنائية. تلك الادعاءات تجد طريقها إلينا أينما ذهبنا. ستجدها في الصيدلية، في الأدوية المكونة من مواد طبيعية الموجودة على الرفوف بجانب العلاجات القائمة على أساس علمي. الصحف تقدم توقعات فلكية لمستقبلك، واعظ يعد بأن إذا أعطيته المال سيكافئك الله بمائة ضعف. الإعلانات التلفزيونية تقترح بأنه يمكننا الحصول على صحة أفضل عن طريق استخدم حبة دواء أو  سنكون رياضيين بشكل أفضل إذا وضعنا سوار مخصص على معصمنا. صديق يحلف بأنه رأى كان سفينة فضائية في السماء بالأمس. أحد أعضاء العائلة يحاول اقناعك بقرب نهاية العالم. هل تلك الضجة التي تسمعها قبل أن تنام، صوت شبح؟

عندما تظهر أفكار غريبة يجب علينا أن توقف للحظة ونفكر قبل أن نتقبلها كحقيقة او واقع. أمور سيئة ممكن أن تحدث عندما نتقبل معتقدات لأسباب لا تتعدى أن تكون مجرد عبارة عن  وثوق في السلطة او عادات أو لمجرد أنها تبدو صحيحة. مات عدد لا يحصى من الناس على مر التاريخ لأنهم لم يكونوا متشككين بالشكل الكافي. الكثير من الناس الذين أيدوا أو شاركوا في استغلال وإيذاء وحتى قتل البشر كانوا ذو نية حسنة ويريدون الخير لأنهم لم يكونوا متشككين بالشكل الكافي. أينما وحيثما قل وجود الشك، مشاكل خطيرة ستحدث كنتيجة لذلك. الأطباء الدجالين والفنانين المحتالين يلحقون الضرر بالناس الذين لا يعرفون الفرق بين العلم والعلم الزائف. كم عدد المرات على مر التاريخ التي وقفت فيها المعتقدات الخارقة للطبيعة في طريق التقدم العلمي والاجتماعي؟ أين سنكون اليوم لو أننا رفضنا خرافة ما قبل خمسة قرون؟ ندرة الشك في عالم اليوم لا يمثل فقط عبء للتقدم بل يشكل تهديد قد يعيدنا للعصور المظلمة. مهلاً، هل فعلا لم نعد نعيش في زمن العصور المظلمة؟ حتى هذه اللحظة، في القرن الواحد والعشرين، يتم تعذيب واعدام الساحرات في بعض المجتمعات لأن بعض الناس تخاف من قواهم السحرية. العديد من الناس مازالوا ينظرون إلى النجوم والكواكب للتبصر في شخصياتهم والتوقعات العاطفية، على الرغم من أن العلماء الذين يعرفون أكثر من أي شخص آخر عن النجوم والكواكب يقولون إن التنجيم فكرة منافية للعقل. ملايين الناس يؤمنون بأنه يمكن للفيزياء أن تقرأ الأفكار وأن الحكومة تخفي أجساد كائنات فضائية في منطقة 51 – قاعدة عسكرية في ولاية نيفادا-. نحن كائنات نعاق عن طريق المعتقدات الغير عقلانية. إن كان نأمل التخلص من تلك العادة المكلفة والمهدرة للوقت التي تجعلنا نصدق أشياء غير صحيحة، فيجب أن نتبنى الطريقة العلمية والشك. التفكير النقدي مهارة يجب أن تقدر وتعزز بشكل واسع، فالتقدم يتعمد عليه.

الظواهر الخارقة والظواهر الغير طبيعية – معتقدات معرفة بشكل غير دقيق كأشياء موجودة أو تحدث خارج العالم الطبيعي- ليست مرتبطة بالضرورة بالذكاء أو مستوى التعليم. على سبيل المثال، من الممكن وجود روابط بين مستوى التعليم ومدى تقبل ادعاء لا أساس له مثل قراءة الطالع والتنجيم. لكن أحذر من التفكير كثيراً في هذا الموضوع لأننا جميعنا معرضين لتصديق مثل تلك الأمور. من المعروف جيداً أن الناس المتعلمين والأذكياء يمكن أن يصدقوا ادعاءات غريبة والتي تفتقر لدليل يثبت صحتها. العالم الشهير جَين جودال، على سبيل المثال، من المؤمنين بوجود الكائن صاحب القدم الكبيرة. لقد عملت مرة مع صحفي ذو تعليم جامعي مقتنع بوجود فتاة من روسيا تمتلك رؤية ذات أشعة سينية والتي تمكنها من رؤية أجسام الناس من الداخل وتشخيص المشاكل الطبية الداخلية. أحد زميلاتي علقت في ثقل صنارة تلك الادعاءات الغريبة الغير مؤكدة. هي ليست غبية وليست مفتقرة للشك ومهارات التفكير النقدي، وليست معتزلة للناس، لكن عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غريبة، فقبول تلك الادعاءات يبدو الأمر طبيعياً أو انسانياً أكثر من رفضها تماماً.

وفقاً لاستطلاعات مؤسسة غالوب، ثلاثة من بين كل أربعة أساتذة جامعيين في أمريكا يصدقون واحده على الأقل من تلك المعتقدات الغريبة مثل وجود الأشباح والتنجيم وتناسخ الأرواح بعد الموت. يعتبر هذا ذو أهمية: معظم الناس في الولايات المتحدة الأمريكية وحول العالم هم أشخاص مؤمنين بوجود قوى خارقة وظواهر غير طبيعية. يوجد في أمريكا معتقدات تؤمن الناس بها وفي مقدمتها؛ الإدراك الحسي الفائق (الحاسة السادسة) بنسبة 41% ويتبعه بنسبة قريبة منه هو الإيمان بوجود البيوت المسكونة بنسبة 37% ووجود الأشباح بنسبة 32%. الاستبصار أو القدرة على قراءة الأفكار ومعرفة المستقبل أمر حقيقي موجود بالفعل وفقاً لـ 26% من الأمريكان، بالإضافة إلى أن التنجيم أقنع ما يقارب الـ 25% من الأمريكان، و26% منهم يؤمن بتناسخ الأرواح. أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع بنسبة 57% من البالغين الأمريكان يؤمنون على الأقل بوجود اثنان من المعتقدات المتعلقة بالظواهر الغير طبيعية، و22% منهم يقولوا إنهم يؤمنوا بخمسة معتقدات وأكثر.

في بريطانيا العظمى، يؤمن 40% من البريطانيون بأن البيوت يمكن أن تسكن بالأرواح الشريرة و24% منهم يؤمنون بأنه يمكن التواصل مع الأموات. لم أجري أي دراسة استقصاء علمية، لكن رحلات سفري خارج الولايات المتحدة لم تترك لي مجال للشك بأن الإيمان بادعاءات غير مثبتة علمياً ومن غير المحتمل أن تكون صحيحة يحظى بشعبية كبيرة. فعلياً أي مكان قمت بزيارته؛ أفريقيا، الشرق الأوسط، أسيا، جزر المحيط الهادئ، الكاريبي، أجد نفس النتيجة وهي أن الأغلبية العظمى من الناس تؤمن بمجموعة من الظواهر الغير طبيعية وادعاءات زائفة. دون إدراج المعتقدات الدينية ضمن المجموعة، أتوقع أن أكثر من 90% من الناس حول العالم يؤمنون على الأقل بظاهرة واحدة غير طبيعية. نحن مخلوقات تحب أن تصدق كل شيء.

هل يهمك؟

التصرف الأسهل اتجاه هذا الموضوع هو محاولة تجاهل جميع تلك المعتقدات الغير عقلانية. على أي حال، أليست أمور مثل التنجيم والشفاء بالدعاء وقوة الايمان  وقراءة الطالع تجعلهم سعداء وتعطيهم القليل من الطمأنينة في عالم يملأه الخوف والحيرة؟ من أنا لأحاول سرقة مصدر راحة ومتعة أي شخص؟ ليس من شأني ماذا قرر الناس أن يؤمنوا، صحيح؟ ما المشكلة؟

حسب وجهة نظري، لا يوجد خيار آخر سوى أن تعارض تلك المعتقدات الغير عقلانية، إذا كانت مهتم ومتعاطف مع بني البشر. أن تكون معارض لتلك المعتقدات لا يتطلب أن تكون شخص لئيم او بغيض تجاه ذلك الأمر، لكن السكوت ليس حل أيضاً. الإيمان بالظواهر الغير طبيعية والعلم الزائف يعتبر أزمة مزمنة ترهق كاهلنا قرناً بعد قرن. أولئك الذين يدركون الضرر الذي تسببه تلك المعتقدات يومياً حول العالم والتي ستكون يوماً ما وحشاً كاسراً لا يمكن هزيمته إذا اختاروا عدم مواجهته. انها مسألة تعاطف مع بني البشر والايمان بأن العالم يمكن أن يكون مكان أفضل لو لم يكن أعمى ومتخبط بالخرافات والتفكير الغير علمي. أنا لا أكون شخص عديم المشاعر عندما أشرح لشخص ما لماذا يعتبر الطب البديل خطير جداً أو كيف يخدع المعالجون بقوة  الإيمان الناس. ألا تفعل شي حيال ذلك الموضوع يمكن أن يكون امر دنيء وقاس جداً. السؤال الأمثل ليس لماذا المتشككون يحتجون، لكن السؤال كيف يمكن لأي شخص ان يعلم حول موضوع ” الأطفال السحرة” كونهم يقتلون في أفريقيا ولا يشعر بأي التزام اتجاه تعزيز وجود الشك في حياتنا. الشخص الذي يسمع بقصة الطفلة المريضة التي تعاني وتحتضر بسبب والديها العنيدين اللذان عالجاها بالماء المعالج معالجة مثلية – الهوميوباثي أو الطب التجانسي البديل – بدلاً من الأدوية التي على أساس علمي، ولا يشعر باشمئزاز تجاه العلم الزائف والدجالين الذين يدعون انهم أطباء؟ جميعنا نتشارك هذا العالم معاً، فعندما يعتقد القائد المنتخب أن عمر الكرة الأرضية هو ستة الاف سنة أو تؤمن جارتك أن مواقع بعض النجوم في السماء تحدد طبيعة اليوم الذي ستحظى به وكيف سيكون ذلك اليوم، عندها ستدرك أن هذه هي المرحلة التي ستؤدي إلى العديد من المشاكل. طريقة التفكير المحدودة تعتبر طريقة تفكير خطيرة جداً.

الشك هو الدرع الذي يحميك 

فكيف يمكن للشخص أن يتجاوز كل تلك الادعاءات الغريبة الموجودة من حولنا ليصل إلى المنطقة الآمنة بسلام؟ انها ليست بتلك الصعوبة التي تتخيلها. سيكتشف القراء من خلال هذا الكتاب أنه قد يتطلب أن يسألوا سؤال واحد أو اثنين بطريقة محددة للتعرف على نقاط الضعف المدمرة في الادعاءات التي لا تستحق إيماننا. الشك الإيجابي هو شك متوافق مع الفضول لكن بحذر وعقل متفتح، فهو يتطلب التحلي باليقظة والتحقق من صحة أي شي وحقيقة ما يقوله الأشخاص.

من المهم أن تتذكر دائماً أن عبء الإثبات وتقديم الدليل يقع على عاتق أولئك الذين يستمرون في نشر تلك الادعاءات. أود أن يكون صاحب القدم الكبيرة ووحش بحيرة لوخ نس أمر حقيقي، لكني متيقن بأنه الحيوان الذي يشبه القرد ويبلغ طول عشرة أقدام ويمشي على رجلين في إقليم الشمال الغربي الهادئ أو البليزوصور المنقرض الذي كان متواجد في اسكوتلندا – نوع من الزواحف الضارية البحرية – لا وجود لهما. السبب الذي يدفعني لاعتقاد ذلك هو أنه بعد كل تلك السنوات لم يقدم أي شخص دليل مقنع مثل: العظام أو عينات من  الحمض النووي (DNA) أو هيكل. إذا أرادا الأشخاص المؤمنين بوجود صاحب القدم الكبيرة أن أصدقهم، فعليهم أن يروني الدليل. ليس من واجبي دحض فكرة وجود صاحب القدم الكبيرة. كيف يمكنني فعل ذلك، بكل الأحوال، فأنا لا أستطيع البحث في كل كهوف وكل أشجار أمريكا الشمالية.

أحذر من المعتقدات الخفية، فهي أنصاف الحقائق التي تتضخم لتشمل عناصر ومبادئ غير طبيعية بمجرد السماح لها بدخول عقلك. على سبيل المثال، بدون أدنى شك يوجد العديد من الحالات الساحلية القديمة أو المجتمعات المحلية الجزرية دمرت بسبب الزلازل وتسونامي خلال الآلاف السنوات الماضية. لكن هذا يختلف تماماً عن الادعاء المقدم من المؤمنين بوجود مدينة أطلانتيس الأسطورية والتي يقال بأنها قارة أو مدينة حكمت العالم يوماً ما وكانت متقدمة تقدماً تكنولوجياً يتجاوز تقدمنا في هذا العصر. بعض الأشخاص المؤمنين بوجود الأطباق الفضائية الطائرة يزعمون بوجود حياة ذكية في مكان ما في هذا الكون، قد يكون سبب مقنع، لكن بعد ذلك الزعم، انتقلوا إلى ادعاء آخر بطريقة سلسة أن الكائنات الفضائية تزور كوكب الأرض بشكل منتظم، فهذا الادعاء لا يمكن التأكد منه ولا اثباته ومستبعد. يجب أن نحذر من الادعاءات التي تختبئ تحت عباءة العلم والتي هي في الحقيقة علم زائف. ليس من الضروري أن كل ما يقوله شخص ما – قد يكون المرشد الروحي ديباك شوبرا، على سبيل المثال – ويذكر “ميكانيكا الكم ” بشكل متكرر أو جمل علمية أنيقة ومعقدة، يعني أن ما يقومون بترويجه صحيح أو علمي.

كلما كبر حجم الادعاء، كلما صعب اثبات ذلك الادعاء 

المتشكك الذكي يضبط حاجته الملحة لدليل وفقاً لحجم الادعاء الذي تم تقدمه. طبيعة الادعاء الذي تم تقديمه – ما مدى غرابة أو فظاعة ذلك الادعاء؟ – يحدد درجة الشك المطلوبة. اذا ادعوا جيراني بأنهم رأوا بالأمس طير في فنائهم  الخلفي، فعلى الأرجح وبافتراض حسن النية سأصدق ما يقولون. ليس بالأمر المهم. على كل حال، أذا ادعوا انه رأوا شيء غير مألوف تماماً، لنقل أنهم رأوا تنين يبلغ وزنه ثلاثين طناً يرتدي سروال من الجلد ويضع مكياج، عندها أحتاج أن أرى فديو بجودة عالية وبصمات وعينات الحمض النووي قبل أن أفكر في تصديق ذلك. مرة أخرى، نوعية وكمية الأدلة يجب أن تزيد عند وجود ادعاء. بالرغم من أن هذه المقولة لم تصدر عن رائد الفضاء الراحل كارل ساغان إلا أنه روج لهذا المفهوم المهم ” الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلة استثنائية”. تذكر تلك الكلمات الخمس جيداً عندما تفكر في الأشباح، الآلهة، الوسطاء الروحيين، التنجيم، التصميم الذكي- الذي يدعي بأن هناك ميزات في الكون والكائنات الحية لا يمكن تفسيرها الا بالعلم وليس بالدين-، الأطباق الطائرة ومعتقدات أخرى.

كونك شخص متشكك لا يعني أنك شخص ضيف الآفق أو أنك فير مهتم في الأشياء الغريبة الغير مثبته علمياً. تاريخ العلم مليء بأمثلة لأفكار سخيفة والتي تبين أنها حقيقة. الجراثيم كانت في يوما ما هي سبب اختراع الميكروسكوب وساعدت في تكوين علم الأحياء المجهري. زحف القارات كان من الصعب تقبله كحقيقة حتى جاءت نظرية الصفائح التكتونية تشرح كيف حدث ذلك. فكرة الأمواج العاتية وهي تحطم السفن تحت سماء صافية على مسافات بعيدة في عرض البحر يبدو أمراً مستحيلاً، لكننا نعرف أن تلك الأمواج وما تفعله بالسفن أمر حقيقي وموجودة بالفعل. ماذا عن النيازك؟ هل هناك صخور تسقط من السماء؟ لابد أنك تمزح! لكن فعلا تبين أن السماء تمطر صخوراً في بعض الأحيان. المغزى من ذلك أن المتشككون الذي يفهمون كيف يعمل العلم، لا يقبلون ادعاءات سخيفة بدون وجود دليل، ولا يرفضون كل ادعاء سخيف بشكل مطلق ونهائي.

عندما تفكر في معتقدات غريبة، من المهم أن تكون على علم بالطريقة التي نستخدمها لفهم وتقييم العالم المحيط بنا. نحن نعرف أن البشر مخلوقات تبحث عن الأنماط في الأشياء الموجودة من حولنا – كيف تحدث تلك الأشياء وطريقة تنظيمها أو حركتها ولماذا وجدت أو حدثت – ونفعل ذلك بدون بذل أي جهد، فنحن نحاول بشكل طبيعي ” أن نوصل النقاط مع بعضها البعض ” تقريباً في كل شيء نراه أو نسمعه. عندما تحاول الإمساك بطائر الكوموفلاج فوق الشجرة – طائر يستخدم التمويه لتخفي – لتناوله على العشاء فهذه تعتبر قدرة عظيمة، أن تسمع اتصال صديقك في وسط مشتتات متناثرة أو محاولة تحديد موقع عدوك المختبئ في الغابة الذي يتمنى أن تقع في الكمين الذي نصبه لك. لكن البحث عن الأنماط يقودنا أيضاً إلى أشياء غير موجودة، والذي قد يضيع وقتنا ويوقعنا في المشاكل. بالإضافة إلى ذلك، هوسنا بالأنماط لا يتوقف عند الرؤية والسمع. نحن نميل إلى ربط الأشياء بعضها ببعض بطريقة تلقائية وإيجاد الأنماط عندما نفكر، وهذا هو السبب الوحيد الذي يجعل من نظريات المؤامرة من غير الممكن أن تتأصل وتزدهر في عقول العديد من الناس.

الوسيط الروحي السابق والمتشكك حالياً، طارق موسى، اتفق على أن برنامج تمييز الأنماط الذي نمتلكه داخل أدمغتنا هو السبب الرئيسي للمعتقدات الغير عقلانية وتلك المعتقدات أمر شائع. لاحظ طارق موسى لأول مرة وبشكل مباشر ذلك الأمر عندما قام عميله بعمل روابط غريبة لكي يدعم فكرته السابقة بأنه شخص لديه قدرة حقيقية لقراءة العقول.

عقولهم قامت بالجزء الأكبر من العمل والتي جعلت من عمله أمر بسيط.

نحن رائعون وبشكل فطري في ملاحظة الأنماط، لكن هذا يعني أننا نرى الأنماط حيثما وجدت، في الحقيقة، لا نرى أي من تلك الأنماط. قال موسى: ” يعتبر هذا بالنسبة لي هو تفسير ارتباط الناس  بالظواهر الخارقة والغير طبيعية، بدءً من الأطباق الطائرة إلى الأشباح، ومن نظريات المؤامرة وصولاً إلى التنجيم.

الانحياز التأكيدي

واحد من الأسباب الرئيسية التي تجعل التخلص من الايمان بمعتقد خارق للطبيعة أمر صعب جداً  بمجرد تصديق ذلك المعتقد هو اننا جميعاً لدينا ميل طبيعي للخداع. نحن لا نفكر عادة بمعتقداتنا بموضوعية وصدق. بدلاً من ذلك، نحن نميل إلى تذكر والتركيز على أي شيء يثبت صحة المعتقد، بينما نتخطى ونتجاهل وننسى أي شيء يتعارض أو يلقي ظلال الشك على ذلك المعتقد، هذا ما يسمى بالانحياز التأكيدي. الانحياز التأكيدي يمكن ان يقود أفضلنا إلى الضلال. لذلك كن حذراً.

“الانحياز التأكيدي يعتبر جزءً البرمجيات الموجودة داخل رأسك الأكثر خداعاً واقناعاً”، صرح البروفيسور هانك دايفيس المتخصص في علم النفس، كاتب لكتاب منطق رجال الكهف: أن مثابرة التفكير البدائي في العالم الحديث. ” يعتبر جزء من طبيعتك كإنسان يملك عينين وأنف ورجلين. لتجنب تقييم العالم من خلال التحيز التأكيدي فيجب عليك أن تأخذ خطوات واعية ضده. رغم ذلك لا يوجد ضمانات بأنك ستنجح في فعل ذلك. إذا سمحت لبرنامجك العقلي أن يعمل بناء على اعدادات افتراضية من العصر الجليدي، فسوف يجعلك تميل إلى استخدام الانحياز. تذكر ” لقد تم تحذيرك”.

يجب ان ترى لتؤمن بوجود شيء ما، وستؤمن بوجوده عندما تراه

ليس الخبر كالمعاينة – مقترح عنوان

لا بد من وجود القليل من الشك فيما يخص الرؤى المزعومة للأشباح والاطباق الطائرة والملائكة والوحوش من قبل شهود عيان، فما هي الا نتيجة لطريقة عمل رؤيتنا. على نقيض ما كنت تفترضه، فنحن في الواقع لا نرى إلى ما ننظر إليه. فالذي يحدث عندما تنظر إلى شيء ما هو ان عقلك يخبرك ماذا ترى، وعقلك لا يخبرك ابداً بشكل دقيق بنسبة 100%. عقلك يقوم بفعل ذلك ليكون ذو كفاءة وهو فعلاً يساعدنا لنعمل بطريقة فعالة في عالم مليء بالتفاصيل وخطوات التي يجب أن تفهم. لكن في بعض الأوقات يمكن ان يسبب لنا أن نرى أشياء لم تكن موجودة من الأصل أو على الأقل ليست موجودة في شكلها التي قدمت بها لنا. وممكن أيضاً أن تجعلنا لا ننتبه لأشياء موجودة بالفعل. بعض الأشياء التي تغفل عنها رؤيتنا قد تكون أجزاء من معلومات مهمة كان من الممكن ان تكشف لنا بأن الأطباق الطائرة او الأشباح التي تحوم في الخارج هي مجرد طائر أو مجموعة من الضفادع. على سبيل المثال.

أنسى جميع ما تعتقد أنك تعرفه عن الذاكرة

جميع ما يعرف حالياً عن ذاكرة الانسان يجب أن يرسل موجات متنافرة من الشك إلى الأعمدة الفقرية لكل واحد من أولئك المتحمسين المهتمين للظواهر الغير طبيعية. العلماء اكتشفوا أن الذاكرة لا تعمل مثل كاميرا الفيديو، العديد من الناس يعتقد أن أعيننا مثل عدسات الكاميرا وأن العقل هو القرص الصلب الذي يسجل جميع الصور التي تدخل إليه بشكل طوعي. لا تعمل الذاكرة بهذا الشكل. لا وجود لما يسمى ب أخذ التقاط صورة لكامل المشهد ولا وجود لإعادة المشهد أو الرجوع به إلى الوراء. الحقيقية هي أن ذكرياتنا يتم بنائها بواسطة عقولنا بعض الأشياء تترك خارجاً وبعص الأشياء لم تحصل من الأصل يتم حفظها في عقولنا وفي بعض الأوقات ترتيب الأحداث يتم عكسه. يبدو الأمر غريباً، عقلك ينتج ذكرى التي يعتقد أنك تحتاج إليها—ويتطلب حينها أن يكون دقيقاً بنسبة 100%.

يعني هذا، بالطبع، أن جميع القصص القائمة بذاتها المتعلقة بمشاهدات ومواجهات جميع تلك القصص من الكائنات الفضائية إلى الملائكة لا يمكن اعتبارها دليل يثبت وجود أي شيء، لأننا نعرف بدون شك أن أي شخص صادق عاقل واعي يمكنه ببساطة تذكر أي حدث بشكل غير صحيح بدون وجود خطأ من جانبه. ذاكرة البشر لا يمكن الاعتماد عليها، مما يعني أن هنالك شيئاً أكثر من كونه مجرد قصة حول التجربة الشخصية يتم استدعائه في حالة وجود ادعاءات غريبة. وقد أظهر الباحثون وبشكل متكرر أننا أكثر عرضه للاقتراحات والمعتقدات السابقة عند تكوين تصورنا للواقع وذكرياتنا لما شهدناه. مايكل شيرمير، مؤسس وناشر مجلة المشككون أمضى أكثر من ثلاثين سنة باحثاً في المعتقدات الغريبة ومتحدثاً للجميع من المدعين أنهم مختطفي الكائنات الفضائية إلى المكذبين لمحرقة الهولوكوست وصولا إلى الوسطاء الروحيين. يعتقد هو أن جزء كبير من المعتقد الغير العقلاني يكون بسبب ” الواقعية القائمة على المعتقد”، هو أننا نصدق أولاً ثم بعد ذلك نأتي بأسباب لتجعلنا نصدق ما قمنا بتصديقه.

نحن نكون معتقداتنا من أجل مجموعة ذاتية متنوعة شخصية وعاطفية وأسباب نفسية فيما يتعلق الظروف التي تنشأ عن طريق العائلة والأصدقاء والزملاء والثقافة، بالإضافة إلى المجتمع ككل. بعد أن نكون معتقداتنا بعدها نقوم بالدفاع عنها وتبريرها وجعلها عقلانية لمجوعة أسباب فكرية. الحجج المقنعة والتفسيرات العقلانية، فالمعتقدات تأتي أولاً وبعد ذلك تأتي التفسيرات لتلك المعتقدات. أسمي هذه العملية ” الواقعية القائمة على المعتقد”، فتصوراتنا للواقع معتمدة على المعتقدات التي نمتلك بشأن ذلك الواقع. الواقع موجود بمعزل عن العقل الإنساني، لكن فهمنا للواقع يعتمد بناء المعتقدات التي نمتلكها في وقت من الأوقات.

سواء أعجبك ذلك أو لم يعجبك، فالحقيقة هي أننا لا يمكن أن نكون متأكدين من أي شيء نراه أو نسمعه أو نفكر به أو نشعر به أو نتذكره. وهذا له تبعات على المعتقدات المشهورة التي تثير اعجاب وتبهج الناس من جميع أنحاء العالم. الكثير من الناس يجب عليهم أن يعرفوا أن عقولنا رائعة كم هي بحالتها الطبيعية التي عليها، فهي ليست جيدة بما فيه الكفاية للتفريق بين الواقع والخيال والوهم. للأسف. نحن نملك نظام يقوم بعمل ذلك بشكل رائع.

العلم يساعدنا في إيجاد طريقنا في الحياة

تقدير واحترام العلم ووجود الشك البناء أمران متلازمان. من المؤسف أن العديد من الناس لا يقدرون روعة العلم وأهميته بالنسبة لنا. العلم ليس مجرد مجموعة من الحقائق والاكتشافات أو ملاحقة هامشية للمفكرين. العلم هو أساس عالمنا الحديث. حضارتنا لم تستطع النجاة ليوم واحد بدون نواتج الطريقة العلمية. بالرغم من ذلك، يمكن استخدام العلم من قبل أي شخص لأغراض متعددة، لذلك لا يجب على أي أحد أن يتسلل إلى عبادة ساذجة أو الإذعان لجميع العلماء. نعم، من الممكن أن يخلق العلم علاجات ولقاحات للأمراض، يطعم الملاين من خلال الزراعة بطريقة علمية، ويكشف الطريقة التي يعمل بها الكون، لكنه أيضاً يعتبر مصدر الأسلحة مع احتمالية لتدمير الإنسانية. العلم قد يكون ضروري ورائع، لكنه سيكون جيد فقط عندما يستخدم الشخص منهجياته.

العلم، أكثر من أي شيء آخر، هو عبارة عن طريقة لفهم واكتشاف الأشياء في عالمنا. نستطيع بشكل أفضل أيضاً من خلال العلم تحديد ما إذا كان شيء ما حقيقة أولا. إذا كان هنالك شيء ما لا يمكن اثباته علمياً، قد يظل صحيح أو حقيقي، لكن قد يكون هذا هو السبب الوجيه لتمتلك شكوك قوية اتجاهه حتى يتم اثباته علمياً. نحن نعلم أن العلم ينفع ويعمل بطريقة ناجحة لأن لديه سجل من  النجاحات أفضل بكثير مقارنة بأي شيء آخر. المؤمنون الظواهر الخارقة والظواهر الغير طبيعية يعتمدون على العلم والتكنولوجيا، بينما يمكنهم تجربة حلول أكثر بما يتفق مع معتقداتهم. الناس الذين في حاجه للتواصل مع شخص آخر متواجد في مكان بعيد، لا يستخدمون الحاسة السادسة، إنما يستخدمون الهاتف للتواصل مع ذلك الشخص. الناس الذين يريدون زيارة مكان بعيد جداً لا يستخدمون الإسقاط النجمي، فهم يركبون الطائرة للسفر لذلك المكان. العديد من المؤمنين بالطب البديل مازالوا يعودون للعلم الطبي عندما يصابون  بمرض عضال أو إصابة ما. لماذا معظم الناس المؤمنين بالحياة الأخرى الطوباوية يخافون من الموت ويتجنبون ذلك بأي ثمن؟

نقطة أخيرة يجب ان تتذكرها عندما تفكر في الظواهر الغير طبيعية والخارقة والمعتقدات الزائفة، أنه عندما تتخلى عن تلك المعتقدات فلا تعتبر تلك تضحية. التفكير بتشكك لا يمكن  فقط ان يكون أكثر آمنا وأكثر جدوى اقتصادياً مدى الحياة، ولا يتوجب عليه أن يكون أقل مرحاً أيضا. مهما يكن الذي قد خسرته بسبب عدم تصديق أشياء مثل التنجيم أو الأشباح، فأنا متأكد بأنني أعوض عن تلك الخسارة بتقبل الواقع بحماس كبير. جميع الاكتشافات العلمية حتى هذا الوقت وجميع الألغاز التي لا يزال يتعين حلها تشعرني بالحماس، وأجد العديد من الأسباب التي تدعو للتفاؤل والأمل  حتى في وسط الواقع المرير. في رأيي، الكثير من الراحة والبهجة يمكن ايجادها في الأصدقاء والعائلة والرومانسية والعمل بإتقان وابداع ويمكن ان تجدها في الفن وأن تعامل الناس بلطف وتجدها في الطبيعة وفي جميع أشكال المرح. أنا أدرك ان الايمان بالقوى غير المرئية يؤثر فينا وقد يوحي بالراحة أو الاستقرار، لكن أيضا يمكن ان يكون مريحاً ويحقق الاستقرار لندرك اننا كبشر، فنحن أذكياء بما فيه الكفاية وأقوياء بما يكفي لمواجهة الكون كما هو عليه ومواصلة حياتنا  

 

 

  ٥

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى