عام

فصلين من كتاب “تكلمي تكلمي أيتها الذكريات” لفلاديمير نابكوف.

ترجمة: علي زين.

الفصل الأول

1

يهتز المهد فوق الهاوية ليخبرنا الحس السويّ، أن وجودنا ليس إلا ضوء خاطف يمر بين ظلمتين أبديتين، وبالرغم من أن هاتين الظلمتين هما كالتوأم المتطابق، إلا أن الإنسان ينظر لهاويته الأولى نحو ولادته بهدوء أكبر من تلك التي يتقدم و يتجه نحوها بعد ولادته،(بسرعة خمسة آلاف وأربعمائة نبضة في الساعة). ومع هذا فإني أعرف شاباً يعاني من رهاب الزمن تعرض لنوبة ذعر عندما شاهد للمرة الأولى أفلاماً منزلية تم تصويرها قبل عده أسابيع فقط من ولادته. رأى ذلك الشاب عالماً لا تغيير فعلي فيه، حيث ذات المنزل والأشخاص، فأدرك حينها أنه لم يكن له وجود هناك على الإطلاق ولم يندب أحد غيابه. ألقى الشاب نظرة على أمه قبل ولادته وهي تلوّح من نافذة بالطابق العلوي، وأزعجته تلك الإيماءة غير المألوفة، كما لو كانت وداعًا غامضًا، لكن ما أخافه بشكل خاص هو مشهد عربة أطفال جديدة(العربة المنتظرة لقدوم هذا الطفل) تقف هناك على الشرفة، عربة أطفال تحمل معها شعوراً شبيها بتابوت زاحف ومتأهب، تابوت كان فارغاً، وكأن عظامه،(أي الشاب) ضمن السياق المعكوس للأحداث، قد تحللت وتلاشت.

إن هذه الأوهام ليست غريبة على حياة الشباب. أو بمعنى آخر، غالباً ما تميل الأشياء ذات البداية والنهاية إلى المرور بمرحلة وسطى شابة، ما لم تكن، على الأرجح، موجهةً من قبل بعض الديانات الجليلة والصارمة. وتتوقع الطبيعة من رجل كامل النضوج أن يتقبل هذين الفراغين الأسودين، الفراغ السابق وذاك اللاحق، وبذات الصرامة التي يتقبل بها الرؤى غير العادية بينهما. فعلى المخيلة، والتي هي الفرحة الكبرى لكل ما هو خالد وغير ناضج أن تكون محدودة، فمن أجل الاستمتاع بالحياة، لا ينبغي لنا أن نتمتع بها أكثر من اللازم.

أنا أتمرد على هذا الوضع. و أشعر بالرغبة في أن أنقل تمردي هذا خارجاً وأن اعتصم ضد الطبيعة. فقد بذل عقلي مراراً وتكراراً جهوداً هائلة لتمييز أضعف الومضات الشخصية في الظلام المتجرد القابع على جانبي حياتي. لقد تشاركت بسرور مع أكثر الوحوش توحشاً في الاعتقاد بأن سبب هذا الظلام هو مجرد جدران من الوقت تفصلني أنا وقبضات يدي المجروحة عن عالم الخلود الحر. لقد انطلقت في رحلة تفكير إلى الوراء – أي إلى حيث يضمحل تفكيري بلا أمل – إلى أماكن نائية حيث كنت أتلمس بعض المخارج السرية، إلا أنني اكتشفت أن سجن الزمن كروي، وبدون مخارج. لقد حاولت كل شيء، عدا الانتحار.

لقد هدمت هويتي من أجل أن أعبر بهيئة طيف تقليدي إلى عوالم وُجدت قبل تكويني وخيالي. وتحملت عقليًا الرفقة المهينة للروائيات الفيكتوريات والزعماء المتقاعدين الذين تذكروا أنهم كانوا، في حياتهم السابقة، رسلاً للرقيق على طريق روماني أو كانوا حكماء تحت شجر الصفصاف في المدينة المحرمة لاسا. لقد تخليت عن أحلامي الكبرى وذلك مقابل الحصول على المفاتيح والأدلة، ودعوني أقول على الفور أنني أرفض تماماً عالم فرويد المبتذل والرثّ والقادم من العصور الوسطى، وسعيه الحثيث خلف الرموز الجنسية (الذي يشبه البحث عن القصائد البيكونية في أعمال شكسبير) وخلف تلك الأجنة الصغيرة المريرة التي تتجسس من زواياها الطبيعية على حياة حب والديها.

في بادئ الأمر، لم أكن أدرك أن الوقت، الذي لا حدود له في البداية، إنما هو سجن. كنت أرى في استقصاء طفولتي (التي تأتي في الدرجة الثانية في الأفضلية بعد البحث عن الخلود إلى الأبد)، صحوة الوعي كسلسلة من الفلاشات المتساوية، مع تناقص الفواصل بينها تدريجياً حتى يتم تشكيل كتل ساطعة من الإدراك، مما يمنح الذاكرة قبضةً زلقة.

لقد تعلّمت الأرقام والكلام في وقت واحد تقريباً وفي وقت مبكر جداً، ولكن المعرفة الداخلية بأنني أنا كنت أنا وأن والديّ كانوا والديّ قد تأسست في وقت لاحق لهذا، أي عندما كانت هذه المعرفة مرتبطة بشكل مباشر مع اكتشافي لعلاقة عمري بعمرهم. وبالحكم على أشعة الشمس القوية التي أذكرها كلما فكرت في ذاك الاكتشاف, حيث تجتاح ذاكرتي على الفور بصورٍ لبقع شمسية تتناثر على أنماط متداخلة من الخضرة، فقد تكون تلك الذكرى في عيد ميلاد أمي، في أواخر الصيف، في القرية، وكنت وقتها قد طرحت بضعة أسئلة وقيّمت الإجابات التي تلقيتها. يعتبر كل هذا متوافقاً مع ما ينبغي أن يكون وفقاً لنظرية التلخيص؛ حيث لا بد أن تكون بداية الوعي الانعكاسي في دماغ سلفنا البعيدة قد تزامنت مع فجر الإحساس بالوقت.

وهذا ما كان، فعندما واجهت الصيغة الجديدة لعمري والتي تم الكشف عنها حديثاً، أي أربعة أعوام، مع أعمار والديّ، ثلاثة وثلاثين وسبعة وعشرين، حدث لي شيء ما، إذ تلقيت صدمة تنشيط هائلة، كما لو أنني خضعت لمعمودية ثانية، و على خطوط أكثر إلهية من التملص الكاثوليكي اليوناني الذي خضعت له قبل خمسين شهراً من قبل شخص شبه غارق، وشبه موّجه، ومحبٍ للعويل (استطاعت والدتي خلف باب أغلق نصفه تبعاً لعادة قديمة دفعت الآباء إلى التراجع للخلف، من تصحيح سلوك كبير الكهنة الأخرق، الأب كونستانتين فيتفينتسكي)، شعرت حينها بأنني سقطت فجأة في وسط مشع ومتحرك ولم يكن ذلك سوى عنصر الزمن النقي.

يتشارك أحدنا هذا السقوط – تماماً كما يشترك السباحون المتحمسون في مياه البحر الساطعة – مع المخلوقات التي لم تكن يوماً من ذاته، والتي انضمت إليه عبر تدفق الزمن الطبيعي، وهي بيئة مختلفة تماماً عن العالم المكاني، الذي لا يدركه الإنسان وحده فحسب بل القرد والفراشة أيضاً. في تلك اللحظة، أدركت تمامًا أن هذا الشخص البالغ من العمر سبعة وعشرين عامًا، الذي يرتدي لوناً أبيض ناعماً وردي اللون، ويمسك يدي اليسرى، إنما هي والدتي، وأن هذا الرجل البالغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا، مرتدياً الأبيض والذهبي، وممسكاً يدي اليمنى، إنما هو والدي. و ما بينهما، كنت أمشي وأهرول وأتعثر كلما تقدما بالمشي من بقعة مضاءة بالشمس إلى بقعة أخرى، على طول منتصف الطريق، والتي أميزها بسهولة الآن في زقاق من أشجار بلوط الزينة في حديقة بلدتنا الريفية، فيرا ، في مقاطعة سان بطرسبرغ السابقة، في روسيا.

في الواقع، أستطيع من على قمة الزمان البعيدة والمنعزلة وغير المأهولة التي أقف عليها، أن أرى ذاتي الضئيلة وهي تحتفل، في ذلك اليوم من أغسطس عام 1903، بولادة حياتي الواعية. وبالنسبة لتلك الفكرة التي تقول أن ذاك الذي كان يمسك بيدي اليمنى وتلك التي كانت تمسك باليسرى, كانا موجودان بالفعل من قبل في عالم الرضيع الغامض، نعم كانوا, ولكنهما كانا تحت قناع رقيق خفي. إلا أن زي والدي جاء الآن كالشمس، وهو الزي المتلألئ لحرس الخيول، مع هذا الدرع الذهبي الأملس الذي كان يحترق حرارةً على صدره وظهره، جاء ودفعني للاهتمام لعدة سنوات قادمة بعمر والديّ وأُبقي نفسي دائماً على علم بذلك، مثل راكبٍ عصبي يطلب معرفة الوقت فقط للتحقق من وقت ساعة أخرى.

وللمعلومة فقط  فإن والدي كان قد أمضى فترة تدريبه العسكري قبل فترة طويلة من ولادتي، لذا أفترض أنه كان قد ارتدى ذلك اليوم كل زخارف فرقته القديمة على سبيل المزاح الاحتفالي. ولهذا فأنا مدين لأول لحظة بريق نحو ذلك الوعي الكامل لمعنى المزحة – الأمر الذي كان له آثار ضمنية أخرى، إذ أن أولى المخلوقات التي ادركت الوقت على الأرض كانت هي أيضاً أولى المخلوقات التي تبتسم.

2

لقد كان الكهف البدائي الدافع وراء الألعاب التي لعبت بها عندما كنت في الرابعة من عمري، (وليس ما قد يفترضه المتصوفون الفرويديون). يلمع في ذهني الآن أريكة كبيرة مغطاه بقماش الكريتون الأبيض مع أوراق سوداء ثلاثية اللون في إحدى غرف الرسم في “فيرا”، وكأنها نتاج ضخم للاضطرابات الجيولوجية قبل بداية التاريخ. إذ  يبدأ التاريخ (مع وعد اليونان الجميل) من نقطة ليست بعيدة عن أحد طرفي هذه الأريكة، حيث تُحفظ شجيرة كوبية كبيرة بوعاء، مع أزهار بعضها أزرق شاحب وبعضها مخضر، و تحجب جزئياً قاعدة من تمثال رخامي ل “ديانا” في زاوية من الغرفة. وعلى الجدار الذي يقف بمحاذاة الأريكة، تظهر مرحلة أخرى من التاريخ في نقش رمادي داخل إطار من خشب الأبنوس – في واحدة من تلك الصور النابليونية – حيث المعارك التي يكون فيها مفهوما العرضية والمجازية هما الخصمان الحقيقيان، وحيث يرى المرء لاعب طبولٍ جريح، وحصان ميت، وجوائز وجندي على وشك أن يطعن جندياً آخر بحربة، وإمبراطور ضعيف يتصنّع في وقفته مع جنرالاته وسط المعركة المتجمدة في الصورة، كل هؤلاء سيراهم المرء مجتمعين وعلى نفس مستوى الرؤية.

وبمساعدة شخص ناضج باستخدام كلتا يديه أولاً ومن ثم ساقاً قوية، تم تحريك تلك الأريكة على بعد عدة بوصات من الحائط، وذلك لتشكيل ممر ضيق بينهما وبين الحائط, ومن ثم تلقيت المساعدة لسقف الممر بشكل مريح باستخدام دعامات الأريكة وأغلقت الممر من نهايتيه باستخدام وسادتين. استمتعت كثيراً في الزحف عبر هذا النفق المظلم، حيث كنت أبقى قليلاً لأستمع إلى الغناء في أذني – وهو عبارة عن اهتزاز متعلق بالشعور بالوحدة ومألوف جدًا لدى الصبيان الصغار في أماكن الاختباء التي يعج فيها الغبار – ومن ثم وفي دفقة من الذعر اللذيذ كنت أزحف على الأيدي والركبتين بسرعة لأصل إلى النهاية البعيدة للنفق وأدفع الوسادة جانباً، لتستقبلني شبكة من أشعة الشمس على الأرضية الخشبية تحت أعواد كرسيٍ من فيينا وبرفقة اثنين من ذباب الفلاحة كانتا تقفان وتطيران بالتناوب.

كما كانت هنالك لعبة كهف أخرى لطالما أعطتني شعوراً أكثر حلماً وأكثر رقة من غيرها من الألعاب، عندما كنت أستيقظ في الصباح الباكر كنت أصنع خيمة من أغطية السرير وأسمح لخيالي باللعب بألف طريقة خافتة مع زلاقات ثلجية غامقة من الكتان, ومع الضوء الباهت الذي بدا وكأنه يخترق ظلّي من على المسافة الهائلة، حيث كنت أتخيل أن الحيوانات الشاحبة الغريبة تتجول في المناظر الطبيعية للبحيرات. إن تذكر سريري كطفل، بشبكته الجانبية من الحبال القطنية الناعمة، يعيد إلى ذاكرتي أيضاً وإلى حد كبير، متعة اللعب ببيضة من البلورات الكريستالية الجميلة المبهجة والرائعة والقاتمة كالعقيق من بقايا أحد أعياد الفصح التي نسيناها. اعتدت على مضغ زاوية من غطاء السرير حتى تبتل بالكامل ثم أقوم بلف البيضة بداخلها بإحكام، وذلك لأجل أن أبدي إعجابي بها, وألعق مرة أخرى اللمعان الحار والمتموج من الأوجه المغطاة بشكل مريح والتي تأتي من خلال اكتمال معجزة التوهج واللون، إلا أن هذا لم يكن أقرب ما حاولت القيام به من أجل تذوق الجمال الدقيق.

كم هو صغير هذا الكون (يمكن لجيب كنغر أن يحتويه)، كم هو ضئيل ومضلّع ومحدود هذا الكون بالمقارنة مع الوعي البشري أو مع ذكريات فردية، ومحاولة التعبير عنها بالكلمات! قد أكون مغرمًا بشكل غير اعتيادي بأوائل الانطباعات التي كونتها في حياتي، لكن لديّ سببٌ يجعلني ممتنًا لها، فقد مهدت هذه الانطباعات الطريق أمامي إلى جنة حقيقية من الأحاسيس البصرية واللمسية. ففي إحدى الليالي، وأثناء رحلة خارج البلاد، في خريف عام 1903 ، أذكر أني كنت راكعًا على وسادتي (المستوية) بجانب نافذة مقطورة متوقفة (كنت ربما على متن قطار البحر المتوسط ​​المنقرض منذ فترة طويلة، حيث كانت عرباته الست مطلية بالبني القرمزي من النصف الأسفل بينما كانت ألواحه مطلية باللون الكريمي) عندما رأيت، بألم لم أستطع تفسيره، حفنةً من الأضواء الرائعة تومض لي من منحدر تل بعيد، ومن ثم تنزلق في منعطف من المخمل الأسود: أضواء كانت كالألماس الذي منحته لاحقاً لشخصياتي للتخفيف من عبء ثروة ألمي. كنت على الأرجح قد تمكنت من فتح ورفع ستار النافذة المحكم أعلى مضجعي في القطار وكانت أطرافي باردة إلا أنني ظللت منحنياً أنظر.

في اعتقادي لا شيء أمتع ولا أغرب من التأمل في تلك اللحظات الأولى و المثيرة من الحياة فهي تنتمي إلى عالم متناغم من الطفولة المثالية، وهي بهذا تمتلك شكلاً بلاستيكيًا طبيعيًا في ذاكرة المرء، ويمكن تخيلها دون أيما جهد؛ إلا أنه مع ذكريات المراهقة تصبح Mnemosyne-منيموسيني(إلهة الذاكرة) مزاجية وفاشلة في انتقاء الذكريات. إضافة إلى ذلك، أريد أن أعترف، فيما يتعلق بالقدرة على استدعاء الانطباعات السابقة، أن الأطفال الروس ممن هم من جيلي قد مروا بفترة من العبقرية، وكأن القدر كان يفعل ما بوسعه لأجلهم بإعطائهم أكثر من نصيبهم، وذلك في ضوء الكارثة التي تمثلت بمحو العالم الذي عرفوه تمامًا. اختفت العبقرية عندما تم تخزين كل شيء، تمامًا كما هو الحال مع أولئك الأطفال العباقرة المتميزين، صغار جميلون ذوي شعر أشقر مجعد يلوحون بالهراوات أو يروضون آلة بيانو ضخمة، و يتحولون في النهاية إلى موسيقيين من الدرجة الثانية بعيون حزينة وأمراض غامضة وشيء ما مشوه بشكل ضبابي في خلفياتهم المخصية. لكن وبالرغم من كل ذلك، يظل هذا الغموض الفردي يعذب كاتب المذكرات. فلم أستطع العثور على الأداة الدقيقة التي طرزتني لا في البيئة التي حولي ولا في ما ورثته، تلك الأسطوانة المجهولة التي طبعت على حياتي علامة مائية معينة ومعقدة وفريدة التصميم, إذ تصبح مرئيةً فقط عندما يتم استخدام ذلك المصباح الفني ليضيء من خلال ورقة الحياة الكبيرة.

3

ولكي أتمكن من إصلاح بعض ذكريات طفولتي، فيما يتعلق بتوقيتها الزماني، كان عليّ أن أتخذ طريق المذنبات والكسوف، كما يفعل المؤرخون عندما يتعاملون مع شظايا القصص الملحمية، إلا أنه وفي حالات أخرى حيث لا يوجد ندرة في البيانات، فأن باستطاعتي أن أرى نفسي، وعلى سبيل المثال، أتسلق فوق الصخور السوداء الرطبة على شاطئ البحر، بينما تتمشى الآنسة “نوركوت” على طول الشاطئ المنحني مع “سيرجي”، أخي الصغير، وهي مربية قبيحة وكئيبة، تعتقد أنني أتبعها. أنا الذي أرتدي سواراً لعبة. وبينما أزحف على تلك الصخور، و أكرر ، كنوع من التعويذة اللطيفة ، الغزيرة ، والممتعة للغاية، الكلمة الإنجليزية “childhood”، أي الطفولة، والتي تبدو غامضة وجديدة وتزداد غرابةً عندما تختلط في عقلي الصغير الممتلئ والهائج، مع روبن هود, وذات الرداء الأحمر, والقلنسوات البنية للجنيات القديمة. ومع كل تلك الدمامل في الصخور، المليئة بمياه البحر الفاترة، كان يرافق غمغمتي السحرية تلك بعض التعويذات التي كنت أحيكها فوق أحواض الياقوت الصغيرة.

إن هذا المكان الذي اصفه ليس إلا (أبازيا) بالطبع، على البحر الأدرياتيكي، وهذا الشيء حول معصمي، الذي يبدو وكأنه حلقة منديل ثمينة، مصنوعة من مواد شبه شفافة، ذات لون أخضر شاحب ومن مادة السيلوليد الوردية اللون، ما هو إلا ثمرة شجرة عيد الميلاد، التي أعطتني إياها أونيا، ابنة عمي الجميلة والمعاصرة لي، في سان بطرسبرغ قبل بضعة أشهر. لقد تعلقت بتلك الثمرة عاطفيًا إلى أن أصبح لها خطوطًا داكنة والتي قررت تماماً كالحلم أن هذه الخطوط ما هي إلا قصاصات شعري التي كانت قد حُشرت إلى حد ما في المادة اللامعة على الثمرة مصحوبة بدموعي خلال زيارة مروعة إلى مصفف شعر مكروه بالنسبة لي في مدينة فيومي المجاورة. وفي نفس ذلك اليوم، وفي مقهى مجاور لسطح مائي، حدث أن لاحظ والدي ضابطان يابانيين على طاولة بالقرب منا أثناء تلقينا للخدمة، فغادرنا على الفور، إلا أنني شربتُ بسرعة وبفمي الذي كان يؤلمني قربة كاملة من شراب الليمون . كان ذاك في العام 1904، وكنت في الخامسة. كانت روسيا في حرب مع اليابان. أعادت الجريدة الأسبوعية الإنكليزية نشر صور حرب من صنع فنانين يابانيين بتلذذ كبير، وأظهرت هذه الصور كيف أن القاطرات الروسية -التي جعلها أسلوب التصوير الياباني تبدو كالألعاب بشكل فريد-ستغرق فيما إذا حاول جيشنا وضع سكك حديدية فوق جليد بحيرة (بايكال) الغادر.

لكن دعوني أرى ماذا لدي في ذاكرتي أيضاً، نعم. لقد كان لدي ارتباط سابق مع تلك الحرب، إذ حدث بعد ظهر أحد الأيام في بداية العام نفسه، وفي بيتنا في سان بطرسبرغ، أن تم نقلي من الحضانة إلى غرفة عمل والدي لألقي التحية على صديق العائلة، الجنرال كوروباتكين. كان جسمه غليظاً ومغطى بزيه الرسمي الذي كان يئن تحت وطأته قليلاً، وبهدف تسليتي مد إليّ يداً مليئة بأعواد الثقاب على الديوان الذي كان يجلس عليه، ووضع عشرة منها على شكل خطٍ أفقي، وقال: “هذا هنا هو البحر في طقس هادئ”، ثم قام بتقليب كل زوج حتى تحول الخط المستقيم إلى خط متعرج، وهذا هنا “البحر وهو عاصف”. خلط الأعواد من جديد وكان على وشك القيام بحيلة، كنت آمل أن تكون أفضل، لكن تمت مقاطعتنا. دخل مساعده في المعسكر وقال له شيئًا جعله يقف متثاقلاً مصدراً صوت نخير روسي، بينما قفزت أعواد الثقاب على الأريكة التي فقدت وزنه. ففي ذلك اليوم، تلقى الأمر بتولي القيادة العليا للجيش الروسي في الشرق الأقصى.

ولهذا الحادث تكملة خاصة حدثت بعد خمسة عشر عامًا، ففي لحظة معينة من رحلة والدي الجوية من مدينة سان بطرسبرغ التي يقطنها البلشف، إلى جنوب روسيا، اقترب منه أثناء عبوره الجسر رجل عجوز بدا حينها وكأنه فلاح ملتحي باللون الرمادي ويرتدي معطف من جلد الغنم. طلب من والدي أن يعطيه ضوءً، إلا أنهما ما لبثا أن تعرفا على بعضهما البعض في اللحظة التالية. آمل أن كوروباتكين العجوز، قد تمكن بمساعدة تمويهه الريفي ذاك من تجنب السَّجن السوفييتي، لكن هذا ليس هو الهدف من القصة. ما أعجبني هو تطور موضوع أعواد الثقاب، لقد تعرضت تلك الأعواد السحرية إلى العبث وتغيرت أماكنها، وتلاشت جيوشه، وسقط كل شيء مثل قطارات ألعابي، في شتاء 1904 – 1905، في فيسبادن، عندما حاولت دهس البرك المجمدة في أراضي فندق Oranien. وفي اعتقادي يجب أن يكون ما سيلي هذه التصاميم الموضوعية التي تحدث خلال حياة المرء، هو الغرض الحقيقي لكتابة السيرة الذاتية.

4

كانت نهاية الحملة الروسية الكارثية في الشرق الأقصى مصحوبة باضطرابات داخلية غاضبة. عادت أمي مع أطفالها الثلاثة إلى سان بطرسبرج غير متأثرة بهذه الاضطرابات، بعد ما يقرب من عام قضته في المخابئ الأجنبية. كان هذا في بداية عام 1905. كانت مسائل الدولة تتطلب وجود والدي في العاصمة؛ كان على الحزب الديمقراطي الدستوري، الذي كان والدي أحد مؤسسيه، أن يفوز بأكثرية المقاعد في البرلمان الأول في العام التالي. خلال إحدى فترات إقامته القصيرة في الولايات المتحدة في ذلك الصيف، أكد لنا معبراً عن استيائه الوطني أنني وأخي قادرون على القراءة والكتابة بالإنجليزية ولكن ليس اللغة الروسية (باستثناء كلمتي ماما وبابا)، وتقرر أن يأتي مدير المدرسة في القرية بعد ظهر كل يوم ليقدم لنا دروساً ويأخذنا للتنزه.

ومع انطلاقة تلك الصفارة الحادة والبهيجة التي كانت جزءًا من البدلة البحرية الأولى لي، تستدعيني طفولتي الآن للعودة إلى ذلك الماضي البعيد لجعلي أصافح مرة أخرى أستاذي اللطيف. كان “فاسيلي مارتينوفيتش زيرنوشكوف” ذا لحية بنية كثة، ورأساً أصلع، وعينين زرقاوين، تحمل إحداها زائدة عجيبة على الجفن العلوي. في اليوم الأول الذي أتى فيه، أحضر صندوقاً من الكتل الكبيرة بشكل مغري تحمل كل واحدة حرفاً مختلفاً على جانبها، كان يلعب بهذه المكعبات كما لو كانت أشياء ثمينة جداً، وهي بالفعل كانت كذلك (إلى جانب قدرتها على تشكيل أنفاق رائعة لقطارات الألعاب). كان يحترم والدي الذي أعاد مؤخراً بناء مدرسة القرية وتحديثها. وكان يرتدي ربطة عنق سوداء متدلية ومعقودة بلا مبالاة، في بادرة تقليدية تعبر عن تفكيره الحر. كان عندما يخاطبني أنا الصبي الصغير يستخدم صيغة الجمع – ليس بالطريقة الحازمة التي يتبعها الخدم، وليس كما كانت أمي تفعل في لحظات حنانها الشديدة، عندما ترتفع درجة حرارتي أو حين كنت قد أفقد راكب قطار صغير (كما لو أن كلمة المفرد هي أصغر من أن تحمل عبء حبها)- ولكن مع سلاسة مهذبة لرجل يتحدث إلى شخص آخر لا يعرفه جيدا بما يكفي لاستخدام “أنت”.

وكونه ثوري متحمس، كان يلمح بشدة إلى الاضطرابات في بلدنا ويتحدث عن الإنسانية والحرية وسوء الحروب والضرورة المحزنة (أو لعلها المثيرة للاهتمام، كما كنت اعتقد) لتفجير الطغاة، وفي بعض الأحيان كان يقتبس من الكتاب المسالم الشهير وقتها دولوي أورشي! (وهي ترجمة بيرتا فون ساتنر لكتاب Die Waffen Nieder!) وكان يتحفني أنا الطفل ذو الستة أعوام باقتباسات مضجرة، كنت أحاول دحضها، ففي ذلك العمر الغض والمولع بالقتال تكلمت عن إراقة الدماء في دفاع غاضب عن عالمي, عالم مسدسات اللعب والفرسان الآرثريين*. في ظل نظام لينين، عندما تعرض جميع الراديكاليين غير الشيوعيين للاضطهاد بلا رحمة، تم إرسال زيرنوشكوف إلى معسكر أعمال شاقة، لكنه تمكن من الفرار والسفر خارجاً، ومات في مدينة “نارفا” في عام 1939.

* الآرثريين:يقصد بهم فرسان الملك آرثر أحد أهم الرموز الميثولوجية في بريطانيا العظمى حيث يمثل الملكية العادلة في الحرب السلم, وكان هؤلاء الفرسان يجتمعون حوله على الطاولة المستديرة المشهورة, للتشاور في جميع الأمور العسكرية وأتخاذ القرار والموقف الموحد حولها.

إنني مدين له بالقدرة على الاستمرار لمسافة أطول في دربي الخاص الذي يسير بشكل موازٍ لطريق ذلك العقد المضطرب. عندما قام القيصر في يوليو 1906 بحل البرلمان بشكل غير دستوري، فعقد عدد من أعضائه، أبي من بينهم، جلسة متمردة في فيبورغ وأصدر بيانًا حث الشعب فيه على مقاومة الحكومة. لهذا السبب، وبعد أكثر من عام ونصف العام تم سجنهم. أمضى والدي ثلاثة أشهر وحيدة وهادئة في السجن الإفرادي مع كتبه، وحوض الاستحمام القابل للطي، ونسخته من دليل (جاي بي مولر) للجمباز المنزلي. واحتفظت أمي حتى آخر أيامها بالرسائل التي نجح أبي في تهريبها إليها، وكانت تحمل قصصاً مبهجة مكتوبة بقلم الرصاص على ورق التواليت (قمت بنشرها في عام 1965، في العدد الرابع من مراجعة Vozdushnïe puti باللغة الروسية، التي حررها رومان غرينبيرغ في نيويورك).

كنا في البلاد عندما استعاد والدي حريته، وقام مدير المدرسة في القرية بالإشراف على الاحتفالات وبترتيب الرايات (البعض منها كان باللون الأحمر صراحة) لاستقبال والدي في طريقه إلى المنزل من محطة القطار تحت قبّة من إبر التنوب، وتيجان من الزنابق الزرقاء، زهرة أبي المفضلة. كنا قد ذهبنا نحن الأطفال إلى القرية، وعندما أذكر ذلك اليوم أرى فيه بأعلى درجة من الوضوح النهر المشبَّع بأشعة الشمس، والجسر والعلبة المعدنية البراقة التي تركها صياد على سياج الجسر الخشبي؛ وتلة أشجار الزيزفون مع الكنيسة الحمراء الوردية والضريح الرخامي حيث ترقد أمي؛ والطريق المغبر للقرية، وشريط أعشاب الباستيل الخضراء القصيرة، مع بقع خالية من التربة الرملية بين الطريق وشجيرات الليلك التي وقفت من خلفها أكواخ خشبية مغطاة بالطحالب في صف متهالك؛ والمبنى الحجري للمدرسة الجديدة بالقرب من المبنى الخشبي القديم؛ وعندما كنا نتحرك بسرعة، كنت أرى أيضاً الكلب الأسود الصغير ذي الأسنان البيضاء الذي خرج من بين البيوت بوتيرة سريعة ولكن بصمت مطلق، مخبئاً صوته للاهتياج القصير الذي كان سيستمتع به عندما تمكنه انطلاقته الصامتة من الاقتراب من عربة مسرعة.

5

لقد تداخل كل من القديم والجديد، من اللمسة الليبرالية والبطريركية، إلى الفقر المميت والثروة القاتلة تداخلاً خيالياً في ذلك العقد الأول والغريب من هذا القرن. وقد حدث لعدة مرات خلال فصل الصيف أثناء فترة الغداء، في غرفة الطعام المشرقة ذات النوافذ العديدة والمغطاة بألواح الجوز، في الطابق الأول من قصرنا في “فيرا” في ألكسي أن ينحني كبير الخدم، حاملاً لتعبيرٍ غاضبٍ على وجهه، ويخبر والدي بصوت منخفض (خاصة إذا كان لدينا رفقة) أن مجموعة من القرويين أرادوا رؤية السيد في الخارج. كان أبي يزيل منديله من حضنه بخفة ويسأل أمي أن تعذره. وكانت إحدى النوافذ في الطرف الغربي لغرفة الطعام تطل على جزءٍ من الطريق بالقرب من المدخل الرئيسي. كان بإمكان المرء أن يرى الجزء العلوي من شجيرات سلطان الجبل قبالة الشرفة. وكان يصل إلينا من ذاك الاتجاه طنين ترحيب الفلاحين المهذب في الوقت الذي أخذت فيه المجموعة الخفية بإلقاء التحية على والدي الخفي.

لم يكن بمقدورنا الاستماع لأي مفاوضات تلت ذلك بنبرة صوت متوسطة، إذ كانت النوافذ التي جرت من تحتها مغلقة لإبقاء الحرارة خارجاً. ولعل المفاوضات كانت تتعلق بالتماس وساطة السيد في أحد الخلافات المحلية، أو بالإعانات الخاصة، أو بإذن لحصاد جزء من أرضنا أو قطع مجموعة كبيرة من أشجارنا. إذا تم منح الطلب فوراً، كما كان يحدث عادة، كان يصدر ذاك الطنين مجدداً، ومن ثم كتعبير عن الامتنان، يتعرض السيد الطيب لمحنة وطنية تتمثل بهزه وقذفه في الهواء ومن ثم إمساكه بثبات من قبل مجموعة من الأيدي القوية.

في هذه الأثناء وبينما نكون أنا وأخي في غرفة الطعام، ويُطلب منا أن نتابع تناولنا للطعام. تقوم أمي وهي تمسك وجبة بين إصبعي إبهامها وسبابتها بالنظر تحت الطاولة لترى ما إذا كان كلبها المخيف والعصبي هناك، ويُسمع من (ملي غولي) عبارة بالفرنسية ” يوماً ما سوف يسقطونه أرضاً”، وهي سيدة مسنة تشاؤمية كانت في السابق مربية أمي ولا تزال تسكن معنا (في ظل شروط مروعة من المربيات الحاليات). أرى فجأة من مكاني على المائدة ومن خلال واحدة من النوافذ الغربية نموذجاً رائعاً من التحليق. للحظة هناك، يظهر جسد أبي في بدلة صيفية بيضاء متموجة بفعل الرياح، يبدو متألقاً في الوسط، بينما تتخذ أطرافه وضعية عفوية بشكل يثير للفضول، وتتوجه ملامحه الوسيمة والهادئة باتجاه السماء. يطير على هذا الشكل لثلاث مرات برفعة قوية من رفاقه غير المرئيين، ويرتفع في المرة الثانية، أعلى من المرة الأولى، ومن ثم في آخر تحليق له وأكثره نبلاً حيث يكون متكئاً لكأما للأبد على الأزرق الكوبالتي لصيف الظهيرة ، مثل إحدى تلك الشخصيات الفردوسية التي ترتفع بشكل مريح داخل ثيابها المتعددة الثنيات، على السقف المقبب للكنيسة، بينما في الأسفل، تشتعل فتائل الشموع واحداً تلو الآخر في أيدٍ بشرية لتصنع سرباً من النيران الصغيرة داخل ضباب من البخور، برفقة هتافات الكاهن للراحة الأبدية ، والزنابق الجنائزية التي كانت تخفي وجه من يتمدد هناك بين الأضواء السابحة في التابوت المفتوح.

الفصل الثاني

1

ووفقاً لأبعد نقطة في الماضي أستطيع أن أتذكر فيها نفسي (بمشاعر من الاهتمام والاستمتاع، ونادراً ما تكون مشاعر إعجاب أو اشمئزاز)، فقد كنت عرضة للهلوسات بشكل معتدل. كان بعض هذه الهلوسات سماعياً والآخر بصرياً، ولم أكن استفد كثيراً من أي منها. انحدرت اللكنات التنبؤية التي قيدّت “سقراط” أو حفّزت “جوانيتا دارك”* معي إلى مستوى شيء يسمعه المرء بين رفع أو إنزال جهاز استقبال خط هاتف مزدحم. ففي اللحظات التي تسبق نومي بقليل، غالباً ما أكون مدركاً لنوع من الحوار الأحادي الجانب الذي يدور في قسم مجاور في ذهني، بشكل مستقل تماماً عن الاتجاه الفعلي لأفكاري. إنه صوت محايد ومنفصل ومجهول، ألتقطه قائلاً كلمات لا أهمية لها بالنسبة لي، جملة إنجليزية أو روسية، غير موجهة لي حتى، وتافهة للغاية لدرجة أنني لا أجرؤ على تقديم أمثلة الآن، خشية أن يشوب السطح المستوي الذي أحاول رسمه تلة صغيرة من الوعي. ويبدو أن هذه الظاهرة السخيفة هي النظير السمعي لبعض الرؤى الثاقبة التي أعرفها جيداً. وليست الصورة الذهنية الساطعة (مثل وجه أب محبوب متوفى منذ فترة طويلة) التي تستحضرها ضربة جناح للإرادة؛ فهذه واحدة من أشجع الحركات التي يمكن للروح البشرية أن تصنعها. كما أنني لا أشير إلى ما يسمى في طب العيون بـ ” muscae volitantes” ، وهي الظلال الملقاة على شبكية العين بواسطة الذرات في الخلط االزجاجي، والتي تُرى على أنها خيوط شفافة تنجرف عبر المجال البصري. ولعل البقعة الملونة هي أقرب شيء إلى السراب التنويمي الذي أفكر فيه، تلك الضربة من الصورة التلوية( الصورة التلوية هي الإحساس التالي في الجهاز البصري بعد زوال المؤثر الخارجي). ومع ذلك، فإن صدمة من هذا النوع ليست في الحقيقة نقطة انطلاق ضرورية للتطور البطيء والثابت للرؤى التي تمر أمام عيناي المغلقتان. إذ تأتي وتذهب هذه الرؤى دون مشاركة من ذاك الناعس الذي يشاهدها، إلا أنها مختلفة كلياً من صور الأحلام كونه لا يزال مسيطراً على حواسه. وغالباً ما تكون هذه الرؤى غريبة، فمثلاً يحدث أن تُلحق الضرر بي شخصيات غريبة لها ملامح خشنة أو قزم وردي ذو أنف أو أذن متورمة. إلا أنه وفي بعض الأحيان، يصبح لحاستي الضوئية طبيعة ناعمة ثم أرى، كما هو متوقع في داخل الجفن، شخصيات رمادية تسير بين خلايا النحل، أو ببغاوات سوداء صغيرة تتلاشى تدريجياً بين ثلوج الجبال، أو مساراً بنفسجياً وراء الصواري المتحركة.

* جوانيتا دارك: هي بطلة فرنسا خلال حرب المائة عام, وبخصوص الرؤى والتنبؤات فقد قالت أنها تلقتها من القديس مارغريت وسانت كاترين من الإسكندرية الذين حثوها على دعم الملك تشارلز السابع لإستعادة فرنسا من الهيمنة الإنجليزية في اواخر حرب المائة عام.

وعلاوة على كل ذلك، فأنا أمثل حالة رائعة من السمع الملون، ولعل كلمة السمع هنا ليست دقيقة، لأن الإحساس اللوني يبدو أنه ناتج عن فعل شفهي يشكِّل حرفًا معينًا أثناء تخيل كيفية رسمه. فمثلاً حرف الـ a في اللغة الإنكليزية (وهي الأبجدية التي أنوي التحدث عنها إلا إذا أشرت لأمر مختلف) يبدو لي وكأنه يحمل لمسة من الخشب المهترئ، ولكن حرف الـ a في اللغة الفرنسية يبدو كخشب أبنوسي ثمين. تتضمن هذه المجموعة السوداء حرف الg القاسي ( أتخيل المطاط المعالج بالكبريت) و لحرف الـ  r (أتخيل خرقة ملوثة بالسخام وممزقة) ويذكرني الشوفان بحرف الـ n ، والمعكرونة بحرف الـ l ، ويد المرآة ذات الخلفية العاج بحرف الـo. أنا في حيرة من كلمة  onباللغة الفرنسية التي أراها على شكل سطح مهتز من الكحول في كوب صغير. أما عن المجموعة الزرقاء، فهناك حرف الx الفولاذي وغيمة العاصفة z، والعنبية بحرف الـ k. بما أن هناك تفاعل دقيق موجود بين الصوت والشكل، فأنا أرى أن q أكثر بنيةً من k، في حين أن s ليس بذاك الأزرق الفاتح كحرف c، بل إنه خليط غريب من اللون الأزرق السماوي واللؤلؤ. ولا يتم دمج الصبغات المتجاورة، ولا تحتوي الأصوات المزدوجة على ألوان خاصة بها، ما لم يتم تمثيلها بطابع واحد في لغة أخرى (وبالتالي فإن الحرف الروسي الرقيق ذو الثلاث أجزاء، والذي يشير إلى sh، وهو حرف قديم بقدم نهر النيل، يؤثر على الحرف الذي يماثله باللغة الإنجليزية).

أريد أن أعجل بإتمام قائمتي قبل أن تتم مقاطعتي. في القائمة الخضراء، هناك حرف الـ f الذي يرمز لشجرة جار الماء، وحرف p للتفاح غير الناضج، وحرف t للفستق. أما الأخضر الباهت المزدوج مع البنفسج، فهو أفضل ما يمكنني تخيله من أجل الحرف w. تشتمل ألوان الأصفر على العديد من e و i ، و d للون الكريمي ، والy للون الذهبي الساطع، و u ،  هو حرف لا يمكنني التعبير عن قيمته الأبجدية إلا بعبارة “نحاسي مع لمعة زيتونية”. وفي المجموعة البنيّة، هناك نغمة مطاطية غنية، من حرف الg الناعم، والj الشاحب، و رباط الحذاء من h.

وأخيرًا، وبين الحروف الحمر اللون، لحرف b درجة لون تدعى سيينا المحروقة من قبل الرسامين، و لحرف الـ m درجة من  الفانيلا الوردية ، واليوم لدي في النهاية تطابق بشكل مثالي لحرف الv مع “زهرة الكوارتز” في قاموس الألوان.

إن الكلمة المرادفة لكلمة قوس قزح (قوس قزحٍ أساسي لكن موحل بلا شك) في لغتي الخاصة التي يصعب نطقها هي: kzspygv. وبحسب علمي فإن أول مؤلف قد ناقش الطبعة الملونة من القاموس هو طبيب أمهق في عام 1812، في إيرلانغن.

وهنا لا بد أن تكون اعترافات شخص مستشعر مملة ورنانة لأولئك المحميون من هكذا تسريبات ومسودَّات بجدران أكثر صلابة من جدراني. ومع ذلك، فبالنسبة لأمي، بدا هذا أمراً طبيعياً جداً. ففي أحد الأيام عندما كنت في السابعة، ظهر هذا الموضوع بينما كنت أستخدم كومة من مكعبات الحروف الأبجدية لبناء برج. وضحت لها عرضاً بأن ألوان المكعبات كانت خاطئة بالكامل. اكتشفنا حينها أن بعض من حروفها كان لها نفس ألوان حروفي، وأنه بالإضافة إلى ذلك فإنها كانت تتأثر بصريًا بالنوتات الموسيقية، بينما لم تسبب لي أي زيغ لوني على الإطلاق. يؤسفني أن أقول أن الموسيقى، بالنسبة لي هي مجرد تواتر تعسفي لعدد من الأصوات لا أكثر. وفي ظل ظروف عاطفية معينة أستطيع أن أحتمل تقلصات الكمان الغني، لكن بيانو الحفلات وجميع آلات النفخ تضجرني إذا لم تكن بجرعات سماعية صغيرة, وتؤذيني بشدة إذا ما كانت بجرعات كبيرة. على الرغم من عدد الأوبرات التي حضرتها في كل شتاء (لابد أني حضرت أوبرا رسلان و بيكوفايا داما, ما لا يقل عن اثنتي عشرة مرة في مدة زمنية تساوي نصف هذا العدد من السنين)، إلاّ أن تجاوبي الضعيف مع الموسيقى كان مسبوقاً بالعذاب البصري الذي عانيته لعدم استطاعتي أن أقرأ من فوق كتف “بيمين” أو في محاولتي عبثاً تخيل الفراشات في حديقة “جولييت” التي كانت زهورها تنمو بخجل.

فعلت أمي كل ما تستطيع القيام به لتشجع فيني حساسيتي العامة لعوامل التحفيز البصري، فكم كانت كثيرة تلك الرسومات المائية التي رسمتها لي، ويا لها من لحظة تلك التي أرتني فيها شجرة الأرجوان التي تنمو بألوان مختلطة من الأزرق والأحمر! كانت أحياناً في منزلنا في سان بطرسبرغ تُخرج من مكان سري في جدار غرفة ارتداء الملابس الخاصة بها (وهي الغرفة التي ولدت فيها) مجموعة من المجوهرات لتسليني بها وقت النوم. كنت حينها صغيراً جداً، وبدت لي حينها تلك التيجان البراقة وأطواق العنق والخواتم أقل سحراً وغموضاً من إضاءة المدينة خلال الاحتفالات الإمبراطورية، أي عندما تضيء في سكون الليل البارد تلك الأحرف العملاقة والتيجان وغيرها من تصاميم الدروع المشكلة من المصابيح الكهربائية الملونة، حيث بدت لي مثل أضواء الياقوت الأزرق والزمرد, تلك الأضواء التي لمعت على هيئة قيود ساحرة فوق الأفاريز المغطاة بالثلوج على واجهات المنازل على طول الشوارع السكنية.

2

كانت أمراض الطفولة التي أصابتني في صغري سبباً في تقاربي من والدتي. أبديت حين كنت طفلاً صغيراً ميولاً غير طبيعي للرياضيات، والذي أضعته كلياً في شبابي الذي خلا من المواهب بشكل فريد. لعبت هذه الموهبة مع الأرقام دوراً سيئاً مع صراعي مع أمراض مثل الحمى القرمزية والتهاب اللوزتين، كنت أشعر بكرات هائلة وأعداداً ضخمة تنتفخ بلا هوادة في رأسي المؤلم. وكان قد شرح لي معلم أخرق اللوغاريتمات في وقت مبكر جداً، وكنت قد قرأت في منشور بريطاني بعنوان ، ((The Boy’s Own Paper على ما أعتقد عن آلة حاسبة هندوسية تستطيع في ثانيتين بالضبط أن تجد الجذر السابع عشر لرقم 3529471145760275132301897342055866171392 مثلاً، (لست متأكداً من الرقم تماماً، ولكن الجذر هو 212).

هذه هي الوحوش التي كانت تزدهر في فترات هذياني، ولكي أمنعهم من الازدحام حولي وإخراجي من ذاتي ,كانت الطريقة الوحيدة هي قتلهم عن طريق استخراج أرواحهم، لكنهم كانوا أقوياء إلى حد كبير، وكنت أجلس وأحاول بصعوبة أن أشكل جملاً مشوشة لأشرح الأمور لأمي. كانت أمي تلاحظ تحت هذياني أحاسيس عرفتها بنفسها، فساعد فهمها لي في إعادة كوني المتوسع لطبيعته النيوتونية.

يود المتخصص المستقبلي في العلوم الأدبية الباهتة كالسرقة الأدبية التلقائية أن يضيف تجربة بطل الرواية في روايتي “الهدية” إلى الحدث الأساسي. في أحد الأيام وبينما كنت مستلقياً في السرير ولا أزال ضعيفاً جداً، وجدت نفسي مستمتعاً بنشوة غير عادية من الخفة والراحة. كنت أعرف أن والدتي قد ذهبت لشراء الهدية اليومية التي جعلت من فترات النقاهة تلك فترةً ممتعة للغاية. لم أستطع أن أخمن ما ستكون هدية ذلك اليوم ولكني عبر حالتي الشفافة تلك أمكنني تصور والدتي بوضوح وهي تقود سيارتها أسفل شارع “مورسكايا” نحو “شارع نيفسكي”، واستطعت أيضاً تمييز الزلاجة الخفيفة التي قادها ذلك الجواد الكستنائي. سمعت أنفاسه المفعمة بالنشاط، والصوت الإيقاعي الذي يصدره كيس خصيتيه، وكتل الأرض المتجمدة والثلوج التي كانت ترتطم بمقدمة الزلاجة. ارتسم أمام عيناي وأمام عيني أمي الجزء الخلفي لقائد الزلاجة، في ثوبه الأزرق المبطّن، والساعة المغطاة بالجلد (التي أشارت للساعة الثانية وعشرون دقيقة) المربوطة إلى الجزء الخلفي من حزامه، الذي بدت من تحته انحناءات ردفه المكتظ الأشبه باليقطين. رأيت فراء أمي، ومع ازدياد السرعة الجليدية رأيت ذاك القفاز الذي رفعته على وجهها بتلك الحركة الرشيقة لسيدات سان بطرسبرج في رحلات فصل الشتاء. رأيت أنه تم ربط زاويتين من المساحة الكبيرة من جلد الدب, التي غطت أمي حتى الخصر إلى الحلقتين الجانبيتين في أسفل المقعد الذي جلست عليه، ومن خلفها وقف رجل من الخدم ممسكاً بهذه الحلقات مرتدياً قبعة ذات عقدة وواقفاً على دعامة ضيقة على الأطراف الخلفية من عدّائيِن الزلاجة.

ظللت أراقب الزلاجة ورأيتها تتوقف في محل ترومان لأدوات الكتابة والأزياء المصنوعة من البرونز، وأوراق اللعب، خرجت أمي من المحل يليها الخادم. كان يحمل ما اشترته والذي بدا لي وكأنه قلم رصاص. لقد أدهشني أنها لم تحمل شيئًا صغيرًا كهذا بنفسها، وقد تسبب هذا الموضوع البغيض المتعلق بالأبعاد في تجدد خافت، (وقصير لحسن الحظ) “لتأثير تمدد العقل” والذي كنت آمل أن يكون قد غادرني مع الحمى. وبينما كانت تعود لتجلس من جديد في الزلاجة، شاهدت البخار الذي نفثه الجميع، بما في ذلك الحصان. شاهدت أيضاً الحركة المألوفة التي قامت بها لبسط شبكة من حجابها الضيق للغاية على وجهها، وبينما أكتب هذا، عاد إلي ذلك الإحساس بلمسة الحنان المُشبكة التي تعودت شفتاي الشعور بها عندما كنت أقبل خدها المغطى. يطير إليّ هذا الإحساس بصيحةٍ من الفرح تخرج من ذلك الماضي الثلجي المزرّق بنوافذه الزرقاء ( والتي لم ترتفع ستائرها بعد).

وبعد بضع دقائق فقط، دخلت أمي وهي تحمل بين ذراعيها علبة كبيرة. لقد كانت أصغر حجماً في رؤيتي السابقة، ربما لأنني قمت بتصحيح ما نبهني عنه المنطق من أن يكون ذلك من البقايا التي أفزع منها والتي تكون مرتبطة بعالم الهذيان المتوسع. توضح الآن أن هذا الشيء إنما هو قلم رصاص (فابر) متعدد الأضلاع عملاق بطول أربعة أقدام وثخيناً بما يتوافق مع ذلك. كان القلم معلقاً على نافذة المحل كتحفة، وافترضت أمي أنني كنت أرغب بالحصول عليه، إذ كنت أطمع بالحصول على كل الأشياء التي لم تكن قابلة للشراء. وقد اضطر صاحب المتجر إلى استدعاء وكيل يدعى الطبيب ليبنر (كما لو كانت هذه الصفقة تمتلك بالفعل بعض الواردات المرضية). وتساءلت للحظة فظيعة مرت عما إذا كان رأس القلم قد صنع من الجرافيت الحقيقي. وقد كان بالفعل. وشعرت بالرضا عن نفسي بعد بضعة سنوات حين قمت بحفر ثقب في جانب القلم ووجدت أن الرصاص قد امتد على طوله– شكل القلم حالة فنية مثالية مطابقة لمقولة “الفن من أجل الفن” من صنع فابر والدكتور ليبنر لأن قلم الرصاص كان كبيرًا جدًا للاستخدام ولم يكن يراد له أن يستخدم.

كانت أمي تقول “آه، صحيح” كلما ذكرت لها شيئاً عن هذا أو ذاك الشعور الغريب. “نعم، أنا أعرف كل ذلك”، وببغض غريب كانت إلى حد ما تأخذ بالحديث عن أشياء مثل الرؤية المزدوجة، والضربات الصغيرة في خشب الطاولات ثلاثية القوائم، والهواجس الداخلية، والشعور بـ “ديجافو” أي أوهام سبق الرؤية. ويندرج من سلالتها بشكل مباشر سلسلة من الطائفية، إذ تذهب إلى الكنيسة فقط في الصوم الكبير وعيد الفصح. وتنكشف مزاجيتها الانشقاقية في نفورها الصحي عن طقوس الكنيسة الكاثوليكية اليونانية وعن كهنتها. لقد وجدت انجذاباً عميقاً إلى الجانب الأخلاقي والشعري للإنجيل، لكنها لم تشعر بوجود حاجة لدعم أي عقيدة. ولم يتخلل تفكيرها فكرة مثل انعدام الأمن المفزع والكامن في فكرة الحياة الآخرة وخلوها من أي خصوصية. تمثلت ديانتها العميقة والصافية في إيمانها بوجود عالم آخر يستحيل استيعابه ضمن مفاهيم الحياة الدنيوية. فكل ما بإمكاننا أن نفعله هو أن نلمح في خضم الضباب والخيالات شيئاً حقيقياً في المستقبل، تماماً كما يستطيع الأشخاص الذين يتمتعون بإصرار غير عادي على التفكير اليومي أن يدركوا في أكثر لحظات نومهم عمقاً، أنه وفي مكان ما بعيد عن مخاض كابوس مشوّش وسخيف، ينتظرهم الواقع المنظم في ساعة الاستيقاظ.

3

كانت القاعدة البسيطة التي آمنت بها والدتي هي أن نحب بكامل روحنا وأن نترك الباقي للقدر. “تذّكر الآن”، العبارة التي اعتادت قولها في نبرات تآمريه، كلما أرادات لفت انتباهي إلى شيء محبب في (فيرا)، مثل تحليق طير القنبرة في السماء في يوم ربيعي ممل، ومثل ضوء دافئ يلتقط صوراً لصف بعيد من الأشجار في الليل، ومثل لوحة من أوراق القيقب على الرمل البني، وآثار أقدام الطائر الصغير على الثلج الحديث. وكأنها شعرت أنه في غضون سنوات قليلة سوف يهلك الجزء الملموس من عالمها، فكانت تزرع وعياً استثنائياً للعلامات الزمنية المختلفة الموزعة في جميع أنحاء بلدنا. كانت تقدّر ماضيها بنفس الحماسة في استرجاع الماضي الذي أقوم به أنا الآن حيث صورتها وماضيي الشخصي. وهكذا بطريقة ما فقد ورّثت شبيهاً متقناً – يتمثل بجمال الممتلكات غير الملموسة، والعقارات غير الواقعية – وهذا أعطاني تدريباً رائعاً لتحمل خسائر ستأتي لاحقاً.

 أصبحت لحظاتها الهامة وذكرياتها الخاصة عزيزة ومقدسة بالنسبة لي كما كانت بالنسبة لها. ابتداءً من الغرفة التي كانت في الماضي محجوزة لوالدتها لممارسة هوايتها المحببة، غرفة فيها مختبر كيميائي؛ و شجرة الزيزفون التي ميزّت المكان، على جانب الطريق الذي انحدر نحو قرية غريازنو (تقع الشدة في الاسم على المقطع الأخير)، هناك في أكثر الأماكن انحداراً حيث يميل أحدهم إلى “إمساك الدراجة من قرونها” كما كان والدي يقول، وهو راكب دراجات متفاني، وهنا حيث عرض الزواج على أمي. وهناك في الحديقة “القديمة” كما كانت تدعى يوجد ملعب التنس القديم، وهو الآن مساحة من الطحالب وأكوام الخلد والفطر، والتي كانت مسرحاً لمظاهرات مرحة في الثمانينيات والتسعينيات (حتى أن والدها المتجهم كان يلقي معطفه ويقوم بهز أثقل مضرب)، لكنني عندما أصبحت في العاشرة من العمر أصبحت الحديقة ممسوحة بعناية تماماً كما تمسح ممحاة مشكلة هندسية.

وبحلول ذلك الوقت، تم بناء محكمة حديثة ممتازة في نهاية الجزء “الحديث” من المتنزه بواسطة عمال ماهرين استوردوا من بولندا لهذا الغرض. محكمة فصلتها شبكة أسلاك سياج كبيرعن المرج المزهر الذي أحاط أرضيتها الطينية. أذكر أن ذلك السطح اكتسب بعد ليلة رطبة لمعانًا باللون البني، مما يجعل ديميتري يعيد طلاء الخطوط البيضاء بطباشير سائلة من سطل أخضر، وديميتري أقدم حراس الحديقة لدينا وأصغرهم حجماً، وهو قزم وديع ذو حذاء أسود وقميص أحمر، تراه  يعود للوراء ببطء منحني الظهر كلما سارت فرشاته أسفل الخط. امتد سياج شجرة البازلاء (“الأكاسيا الصفراء” في شمال روسيا) المفتوح في المنتصف مشابهاً بذلك الباب الخاص بالمحكمة، متوازيًا مع السياج المغلق ومع الطريق الذي يدعى باسم (“مسار سفنقيدس- Sphingids”) بسبب الفراشات التي تزور عند الغسق الزنابق الرقيقة على طول الحدود التي قابلت سياج الشجيرات واحتوت على فتحة مشابهة في الوسط. شكّل هذا المسار خطاً كحرف  T  كبير، شكّل زقاق أشجار البلوط النحيلة (المعاصرة لأمي) الخط العامودي منه، اجتازت هذه الأشجار (كما ذكرت سابقاً) الحديقة الجديدة عبر كامل طولها. وبالنظر إلى هذا الجسر من قاعدة حرف الـ T بالقرب من الطريق، يمكن للمرء أن يميز بوضوح الفجوة الصغيرة الساطعة على بعد خمسمائة ياردة – أو على بعد خمسين عامًا من المكان الذي أقيم فيه الآن. كان مدرسنا الخاص، أو والدي (عندما كان يمكث معنا في البلاد) يقوم باتخاذ شقيقي شريكاً له في ثنائيات العائلة الهائجة.

“العب!” كانت أمي تصرخ بطريقتها القديمة واضعةً قدمها الصغيرة إلى الأمام بينما أحنت رأسها المغطى بالأبيض لتقدم خدمة متواضعة وضعيفة. كنت أغضب منها بسهولة، بينما هي كانت تغضب من رعاة البقر، ومن اثنين من الفلاحين الحفاة (حفيد ديميتري ذو الأنف الأفطس، والشقيق التوأم لبولينكا الجميلة، ابنة المدرب الرئيسي). كان الصيف الشمالي يصبح استوائيًا حول وقت الحصاد. كان “سكارليت سيرجي” يمسك بمضربه بين ركبتيه ويمسح نظارته بقوة وحزم، بينما كنت أضع شبكة الفراشات خاصتي في السياج تحسباً. كان كتاب “واليس مايرز” حول لعبة التنس يقبع مفتوحاً على كرسي الحديقة، وبعد كل تبادل لكرة التنس يقوم أبي (وهو لاعب من الطراز الأول، مع خدمة مدفعية على أسلوب فرانك ريسلي و “بطريقة رفعه” للكرة بشكل رائع) بالاستفسار بإخلاص عني وعن أخي وفيما إذا كانت “المتابعة” (تلك الحالة الجميلة) من نصيبنا. وفي بعض الأحيان، كانت سحابة مذهلة تدفعنا لنتراكم تحت ملجأ في ركن المحكمة بينما يتم إرسال ديمتري العجوز لجلب المظلات والمعاطف من المنزل. وبعد مرور ربع ساعة، يعود إلى الظهور مرة أخرى تحت جبل من الملابس في أفق الشارع الطويل, وكان كلما اقترب ديميتري استعاد الشارع طبيعته القديمة مع ظهور أشعة الشمس من جديد، ليتضح أن عناءه كان بلا جدوى.

كانت أمي تحب جميع ألعاب المهارة والقمار، وسرعان ما تحولت بفعل يديها الخبيرتين آلاف قطع أحجية البازل بشكل تدريجي إلى مشهد صيد إنكليزي. تبين أن إحدى القطع التي بدت أنها تحمل صورة طرف حصان كانت تعود لشجرة الدردار، وتلك القطعة التي بدت وكأنها لا تملك مكاناً ما لبثت إلا وملأت بأريحية فجوة في الخلفية المرقّطة، مما يمنح المرء إحساسًا رقيقًا بالرضا المجرد والملموس في آن واحد. في إحدى المرات، كانت مغرمة جداً بلعبة البوكر، والتي كانت قد وصلت إلى مجتمع سان بطرسبورج عبر الدوائر الدبلوماسية، حتى أن بعض التراتيب في اللعبة جاءت مع أسماء فرنسية جميلة – “بريلان”، وتعني ثلاثة من نوع واحد، و”كولور” تعني الفلوش (الأوراق من نوع واحد) وهكذا. كانت اللعبة المستخدمة هي “لعبة البوكر” العادية، مع رميات الجائزة الكبرى الإضافية أحيانًا أو ألعاب الجوكر الجامح، كانت أمي تلعب البوكر غالباً في المدينة في بيوت الأصدقاء حتى الثالثة صباحًا، والتي كانت عبارة عن تجمعات للتسلية في السنوات الأخيرة قبل الحرب العالمية الأولى. وفي وقت لاحق في المنفى، كانت تتخيل (بنفس العجب والفزع الذي تذكرت فيه ديمتري العجوز) سائق السيارة “بيروغوف” الذي ظهر لها بشكل أبدي, وكأنه لا يزال ينتظرها بين الصقيع الذي لا يهدأ و الليلة التي لا تنتهي، وبالرغم من حالته تلك، إلا انه لابد لمفعول الشاي الممزوج  بالرم الكحولي من مطبخ مضياف قد أثر كثيراً في تهدئة وقفاته للمراقبة تلك.

وكانت واحدة من أعظم متعها في الصيف رياضة البحث عن الفطر، الرياضة الروسية بامتياز. لطالما وجدنا على مائدة العشاء هذه الاكتشافات اللذيذة مقليةً بالزبدة ومكثفةً بالقشدة الحامضة. ولم تكن لحظة التذوق هي ما يثير اهتمامها، بل كان يتجلى فرحها الرئيسي في السعي بحثاً عن الفطر، وكان لهذا السعي قواعده. وبالتالي، لم تكن تحضر أي فطر من نوع أجاريك. جميع الأنواع التي اختارتها هي الأنواع التي تنتمي إلى القسم الصالح للأكل من نوع البوليطس ( edulisالبني الذهبي، scaber البني، aurantiacus الأحمر، وعدد قليل من الأنواع الأخرى)، يطلق عليها “الفطر الأنبوبي” من قبل البعض وتدعى أيضاً من قبل باحثي الفطريات بالفطر الأرضي السمين المتعفن وذو ساق مركزية. وكانت لرؤوسها المضغوطة (التي تكون ضيقة في النباتات الصغيرة وقوية وذات قبب كبيرة في الناضجة منها) سيقاناً قوية وملساء(غير صفيحية). في بساطة شكلها الكلاسيكي، تختلف البوليطس إلى حد كبير عن “الفطر الحقيقي”، ذات الصفيحات المنافية للطبيعة والسيقان الحلقية الضعيفة. ومع ذلك، فإن الدول ذات البراعم الذوقية الضعيفة تحد من معرفتها وشهيتها بالنوع الأخير أي بالأجاريك القبيحة والبسيطة، وبهذا وبالنسبة للعقلية الأنجلو أميريكة فإن البوليطس الأرستقراطي هو في أحسن الأحوال من الفطور السامة المحسنة.

يساعد الطقس الممطر في نمو هذه النباتات الجميلة بكثرة تحت أشجار التنوب, و البتولا, والحور, في متنزهنا، خصوصاً في الجزء الأقدم منه شرق طريق النقل الذي قسم المنتزه إلى قسمين. حيث تخفي في مخابئها الظليلة رائحة البوليطس المميزة -التي تجعل فتحات الأنف الروسي أكثر اتساعاً- مزيج داكن ومرضي من الطحالب الرطبة، والتربة الغنية، والأوراق المتعفنة. ولكن كان على المرء أن ينكش لوقت لا بأس به بين الكومة المبللة قبل أن يظهر له شيء جيد، كعائلة من الـ edulis الصغير ذو القبعات، أو مجموعة متنوعة من الـ scaber الرخامي، ومن ثم يتم استخراجها بعناية من التربة.

في فترات ما بعد الظهيرة، وحيدةً تحت الرذاذ تحمل أمّي سلة (زرقاء ملطّخة في الداخل بعنبية شخص ما) وتنطلق في جولة جمع طويلة. حتى يتاح لنا رؤيتها باقتراب وقت العشاء، في ذلك الوقت عندما تخرج من الأعماق الغامضة لزقاق الحديقة، وجسدها الصغير مغطى بغطاء من الصوف البني المخضّر، حيث كانت قطرات من الندى لا حصر لها تصنع ضبابًا في كل مكان حولها. عندما اقتربت من تحت الأشجار التي تقطر ورأتني أنعكس وجهها تعبيرًا غريبًا وحزيناً، والذي قد يبدو أنه يعكس حظاً سيئاً، إلا أنني أعرف أنه كان مؤشراً على الغبطة الكبيرة لصياد ناجح تحتويه الغيرة. وكانت قبل أن تصل إليّ بقليل، تقوم بحركة مفاجئة بواسطة الذراع والكتف وتصدر صوتاً يعكس إرهاقها الكبير، ومن ثم تسمح لسلتها بالتدلي لمعاينة وزنها وامتلاءها الرائع.

و بالقرب من مقعد الحديقة البيضاء، و على الطاولة المستديرة من الحديد، كانت تضع بها “البليطوس” في دوائر متحدّة المركز لحسابها وفرزها. كانت تتخلص من القديمة منها ذات الملمس الاسفنجي واللون الداكن، وتترك الصغير والنضر منها. وتقف هناك للحظة معجبة بها في وهلة من الرضا الهادئ، قبل أن يعبث بها أحد الخدم ويأخذها إلى مكان لا تعرف عنه شيئًا، و إلى مصير لم يكن يهمها. وكما كان يحدث في كثير من الأحيان في نهاية يوم ممطر، عندما تلقي الشمس بريقًا متوهجاً قبل أن تغرب، وبينما يقبع هناك على الطاولة المستديرة الرطبة فطرها الملوّن ببعضه الذي كان يحمل آثارًا للنباتات الخارجية – حيث شفرة من العشب عالقة على غطاء بني لزج، أو طحلب لا يزال مرتخياً على قاعدة منتفخة لساق فطر قاتم- وحدث أن تكون هناك أيضاً شرنقة صغيرة لفراشة بحجم حافة الطاولة تماماً مثلها مثل إصبع الطفل أو إبهامه، وبين الحين والآخر تمتد إلى أعلى لتطل, ولتتلمس، دون جدوى، الشجيرة التي أخرجت منها.

4

لم تكن أمي تزور المطبخ وقاعة الخدم، ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب, بل لقد كان وعيها خالياً من هذه الأماكن كما لو كانت غرفاً في فندق لا يخصها. ولم يكن لأبي أيضاً أي ميول بإدارة المنزل لكنه كان يطلب وجبات الطعام، حيث يفتح ما يشبه الألبوم الذي كان الخادم الشخصي يضعه على مائدة العشاء مع تنهيدة صغيرة ليكتب أبي بيده الأنيقة المنسابة قائمة الطعام لليوم التالي. كان لديه عادة غريبة تتمثل في تركه لقلمه يهتز بحبره فوق الورق بينما كان يفكر في الكلمات التالية، بينما كانت أمي تومئ بموافقة مبهمة على اقتراحاته أو تبدي علامة ساخرة على وجهها. كان التدبير المنزلي في يد ممرضة سابقة من الناحية الاسمية فقط، ففي ذلك الوقت كانت امرأة عجوز وغبية، متجعدة بشكل لا يصدق (ولدت عبدةً في حوالي عام 1830) يشبه وجهها الصغير وجه سلحفاة حزينة هذا عدا أقدامها الكبيرة المتثاقلة. كانت ترتدي ثوباً بنياً أشبه بلباس الراهبات، وكان لها رائحة باهتة لا تُنسى تشبه مزيجاً من رائحة القهوة والعفن. ولا انسى تهنئتها لنا في أعياد ميلادنا وعيد الشفيع, تلك التهنئة المخيفة وهي عبارة عن قبلة على الكتف. لقد منحها التقدم في العمر بخلاً مرضيّاً وخاصة فيما يتعلق بالسكر والمربى،كانت تتبعها نظرات الخدم الساخرة بينما كانت تمشي بتثاقل عبر الممرات الطويلة محاولة أن تخبئ نصف تفاحة أو زوجان من بسكويت بيتي- بيريه المكسورة التي كانت عثرت عليها على طبق.

وفي هذه الأثناء ومع وجود طاقم دائم يتألف من حوالي خمسين خادم، دون طرح أي أسئلة، أصبحت مدينتنا، ومنزلنا وموقعنا في المدينة مسرحاً لسرقة لا مثيل لها. ووفقاً للعمات العجائز الفضوليات اللاتي لم يأبه أحد لكلامهن إلا أنهن أثبتن أنهن على حق فإن العقلان المدبران وراء هذه السرقة هما الطباخ الرئيسي نيكولاي أندرييفيتش والبستاني الرئيسي إيجور، وهما رجلان رصينان يرتديان نظارة ثابتة، ويملكان صدغين أشبه بأولئك الخدم الجديرين بالثقة. فعندما كانت تواجههم فواتير ضخمة ومدهشة، أو اختفاءً مفاجئاً لفراولة الحديقة وخوخ المنزل البلاستيكي، كان والدي يشعر بالقلق من عدم القدرة على التعامل مع اقتصاديات منزله، وهو رجل دولة ضليع بالقانون. ولكن في كل مرة ظهرت فيها حالة معقدة من السرقات، منعه بعض الشك القانوني أو الضيم من القيام بأي شيء حيالها. وعندما كانت الفطرة السليمة تتطلب طرد خادم عدواني، غالباً ما كان ابنه الصغير يمرض بشدة بحيث تلغي فكرة إحضار أفضل طبيب له من القرية جميع الاعتبارات الأخرى. ولهذا فقد فضل والدي بطريقة أو بأخرى أن يترك وضع التدبير المنزلي بأكمله في حالة من التوازن غير المستقر (لا يخلو من روح الدعابة الهادئة)، بينما كانت أمي تستلهم راحة كبيرة من الأمل بأن عالم ممرضتها العجوز المخادع لن يتحطم.

كانت أمي تدرك جيداً مدى الألم الناتج عن الوهم المنكسر، فكانت أبسط خيبة أمل بالنسبة لها تأخذ أبعاد كارثة كبيرة. ففي إحدى ليلات عيد الميلاد في فيرا، وفي وقت قريب من ولادة طفلها الرابع، أصيبت بمرض خفيف وجعلتني وأخي (كانت أعمارنا خمسة وستة أعوام بالترتيب) نعدها بأننا لن ننظر إلى جوارب الكريسماس المعلقة على أسرّتنا في الصباح التالي، وبأننا سنحضرها إلى غرفتها ونكتشف ما بداخلها هناك، فيكون بإمكانها أن تشاهدنا وأن تستمتع برؤية فرحنا. لكنني عقدت اجتماعاً سرياً مع أخي عندما استيقظنا، وبيدين متحمستين تلمسنا جواربنا المحشوة بالهدايا الصغيرة والتي كانت تصدر أصوات طقطقة تبعث على البهجة، اصطدنا هذه الهدايا واحدة تلو الأخرى بعد أن فككنا الشرائط وحللنا ورق المناديل، ومن ثم تفحصنا كل شيء تحت الضوء الخافت الذي عبر من فتحة من بين الستائر وأعدنا لف الأشياء الصغيرة مرة أخرى، وحشرناهم مجدداً في مكانهم. أتذكر أننا جلسنا بعد ذلك على سرير أمنا، ممسكين بتلك الجوارب ومحاولين أن نقدم الأداء الذي تتوقع أن تراه، إلا أننا كنا قد أفسدنا الأغلفة فبدت محاولاتنا لتصّنع الفرح بالمفاجأة بشكل حماسي محاولة عابثة (أستطيع أن أرى أخي يرفع عينيه للأعلى ويصرخ مقلداً مربيتنا الفرنسية، “آه إنها جميلة جداً”) حتى أن من شاهدنا لبضع دقائق انفجر ضاحكاً والدمع يتساقط من عينيه.

مرّ عقد من الزمن، وكانت الحرب العالمية الأولى قد بدأت ، قذف حشد من الوطنيين، ومن بينهم عمي روكا، مبنى السفارة الألمانية بالحجارة، وتحولت مدينة “بيتربورغ” إلى “بتروغراد” مخالفةً بذلك كافة قواعد أولوية التسمية. وأصبح بيتهوفن هولندياً (بيتهوفن معروف كألماني ولكنه ينحدر من جد هولندي)، أظهرت نشرات الأخبار حينها انفجارات متألقة في الصور، مع مدفعيات ترتجّ، وصورة ل “بوانكاريه” في بنطاله الجلدي،(هامش بونكاريه عالم رياضيات فرنسي في ذلك الوقت) وبركاً قاتمة، وصورة للمسكين” تساريفيتش”الصغير في زي شركسي مع خنجر وخراطيش، بينما ارتدت أخواته الطويلات ثياباً مهلهلة، ظهرت قطارات سكك حديدية طويلة ومحشورة بالقوات. أقامت والدتي مستشفى خاصًا للجنود الجرحى. أتذكرها مرتدية زري الممرضين المألوف ذو اللونين الرمادي والأبيض والذي كانت تكرهه بشدة، و كانت تستنكر بالدموع الطفولية نفسها وداعة الفلاحين المشلولين التي لا يمكن تجاوزها، وعدم الفائدة من التعاطف معهم بدوام جزئي. إلا أنها كانت فيما بعد في المنفى تراجع الماضي وتتهم نفسها (ظلماً كما أرى الآن) بأنها كانت أقل تأثراً ببؤس الإنسان مقارنةً بالِحمل العاطفي الذي كان يلقيه الانسان على الطبيعة البريئة كالأشجار القديمة، والخيول والكلاب القديمة.

كانت محبتها الخاصة لكلاب “الداشند” الألمانية تثير الحيرة عند عماتي النزاعات للانتقاد. ففي ألبومات صور العائلة التي كانت تظهر سنوات شباباها نادراً ما كانت تخلو مجموعة صور من هذا النوع من الحيوانات. حيث كان يبزغ جزء من جسد ذاك الحيوان غير الواضح بعيونه الغريبة والمليئة بالشك كما تكون دائماً عيون كلب “الداشند” في الصور. وأذكر عندما كنت صغيراً زوجان من الكلاب القديمة السمينة (بوكس آي، ولولو) يسيران في الشمس على الشرفة.

وفي وقت ما من عام 1904 اشترى والدي في معرض للكلاب في ميونيخ جرواً كبيراً ليصبح اسمه فيما بعد  “تريني” ذلك  الكلب الوسيم ولكنه سيء الطباع (سمّيته بهذا الاسم لكونه طويلاً وبنياً كما سيارة النوم).( سيارة النوم هي عربة طويلة  تسير عبر السكك الحديدية وشوهدت أول مرة في عام 1830  على حطوط الكك الحديدية الأمريكة,وتوفر لجميع ركابها أسرة للنوم هدفاً للراحة أكثر) كان نباح الكلب “تريني” واحداً من الذكريات الموسيقية في طفولتي وهو يلاحق أرنباً لم يتمكن من الإمساك به في أعماق حديقة فيرا، والتي كان يعود منها عند الغسق (بعد أن تقف أمي بقلق وتصفر له لوقت طويل في طريق البلوط) وبين أنيابه جثة خلد عجوز وفي أذنيه أزيز. وبحلول عام 1915، أصبحت رجليه الخلفيتين مشلولتين، فكان يجر نفسه على نحو مطول فوق مساحات طويلة لامعة من أرضية الباركيه مثل “مثل شخص مقعد ودون أطراف” إلى أن تم قتله بالكلوفورم. ثم أعطانا شخص آخر جرواً آخر أسميناه “بوكس الثاني”، هذا الكلب الذي كان أجداده كلاب الدكتور أنطون تشيخوف “كينا وبروم”. وتبعنا هذا الكلب الألماني الأخير إلى المنفى، وفي أواخر عام 1930 ، في إحدى ضواحي براغ (حيث أمضت والدتي الأرملة سنواتها الأخيرة، معتمدة على معاش تقاعدي صغير قدمته الحكومة التشيكية)، وكان لا يزال بالإمكان رؤيته وهو يمشي في نزهات مع عشيقته، كان يتخبط بعيداً بمظهره العجوز والغاضب جداً ,وفي فمه كمامة أسلاك تشيكية – كلب مهاجر في معطف مرقع وغير مناسب.

خلال آخر عامين لنا في كامبردج ، اعتدت أنا وأخي قضاء العطل في برلين، حيث احتل آباؤنا إحدى الشقق البرجوازية الكبيرة القاتمة بصحبة الفتاتين و”كيريل” ذو العشر سنوات، وهي شقة استأجرتها العديد من العوائل المهاجرة في رواياتي وقصصي القصيرة. وفي ليلة 28 مارس 1922 ، حوالي الساعة العاشرة، في غرفة المعيشة حيث كانت أمي تتكئ كالمعتاد على الأريكة الرخامية ذات القطيفة الحمراء، حدث أني كنت أقرأ لها من شعر الشاعر” بلوك” عن إيطاليا – كنت قد وصلت لنهاية القصيدة الصغيرة عن فلورنسا، التي يقارنها بلوك مع أزهار القزحية الرقيقة والدخانية، وكانت تقول أثناء حياكتها: “نعم ، نعم ، فلورنسا تبدو كأنها قزحية صغيرة ، كم هذا حقيقي! أتذكر تلك المدينة – “بينما كان الهاتف يرنّ.

بعد عام 1923، انتقلت أمي إلى براغ، وعشت أنا في ألمانيا وفرنسا، لم أتمكن من زيارتها كثيراً ؛ ولم أكن معها في وفاتها، التي وقعت عشية الحرب العالمية الثانية. وكلما تمكنت من الذهاب إلى براغ، كان يصاحبني دائمًا ذاك الألم الأولي الذي يشعر به المرء من الماضي قبل أن يرتدي الوقت قناعه المألوف من جديد على حين غرة. وفي تلك الغرف المثيرة للشفقة التي تشاركتها أمي مع أعز رفيقاتها، “إيفجينيا كونستانتينوفنا هوفلد” (1884–1957)، التي حلت محل مس غرينوود في عام 1914(والتي بدورها كانت قد حلت محل مس لافينغتن) كمربية لشقيقتي الاثنتين (أولغا، التي ولدت في 5 يناير 1903، وإيلينا، التي ولدت في 31 مارس 1906)، تناثرت ألبومات ٍعلى أطراف أثاث المنزل المستعمل والمتداعي, ألبومات نسخت عليها أمي خلال سنواتها الأخيرة قصائدها المفضلة، للشاعرين الروسيين مايكوف و مايكوفسكي. كما وقف في احدى تلك الغرف تمثال ليد والدي -وصورة بالألوان المائية لقبره في مقبرة “تيجيل” اليونانية الكاثوليكية، الموجودة الآن في برلين الشرقية- على رف يحوي كتب مهترئة لمهاجرين, إذ كانت أغلفتها مصنوعة من الورق الرخيص. بينما دعمّت الصور الصغيرة القاتمة الموضوعة في أطر متداعية صندوقاً مغطى بقماش أخضر ,كانت تحب أن تبقيه قريباً من أريكتها. ولم تكن في حاجة إليها حقاً, وذلك لأنه لم يكن يضيع منها أي شيء. إذ كانت تحمل معها جميع ما خزنته روحها تماماً كما تفعل مجموعة من اللاعبين المسافرين الذين يحملون معهم إلى كل مكان، مدناً عاصفة وقلاع ضبابية وجزراً ساحرة، بينما يمضون في تذكر خطوط رحلاتهم.

بإمكاني استعادة رؤيتها بوضوح كبير، جالسةً على طاولة وتفكر بهدوء في بطاقات لعبة السوليتير، كانت تميل على كوعها الأيسر وتضغط بإصبعها الحر من يدها اليسرى على خدها القريب من فمها الذي كانت تمسك بسيجارة فيه, بينما تمتد يدها اليمنى نحو البطاقة التالية. ثمة لمعان مزدوج يضيء على إصبعها الرابع صادراً عن خاتمي زواجها – خاتمها وخاتم أبي- الذي كان كبيراً على إصبعها فثبتته مع خاتمها بخيط أسود. بشكل دائم, يظهر لي الموتى, كلما رأيتهم في أحلامي, صامتون ومنزعجون وكئيبون بشكل غريب, وتماماً على عكس ما كانت عليه أرواحهم من مودة وإشراق. أراهم وأدركهم ودونما أي دهشة في أمكنة لم يزوروها من قبل قطّ أثناء وجودهم في الدنيا، في منزل صديق لي مثلاً لم يكونوا يعرفونه اطلاقاً.

ويحدث أن أراهم يجلسون على الأرضية منفصلين عن بعضهم البعض، وهم عابسون وكأن الموت ليس إلا ظلمة قاتمة، أو سرٌ عائليٌ مخزي. وتلك الرؤية حتماً لا تحدث في ذاك الوقت – أي في الأحلام- بل عندما يكون المرء مستيقظاً تماماً، وفي خضّم لحظات الفرح البهيج ولإنجاز، وعلى أعلى شرفة للوعي، هناك حيث يكون للبشرية فرصة للنظر إلى ما وراء حدودها، من تلك السارية، من الماضي ومن برج قلعته. وبالرغم من أنه لا يمكن رؤية شيء عبر الضباب، إلا انه سيظل هناك ذاك الشعور السعيد بأن المرء ينظر في الاتجاه الصحيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى