عاممقالات

الطاعون الوبائي والطاعون الثقافي

ترجمة: قمر عبد الحكيم

“هذا الوباء نفسه الذي يُدمي قلوبكم الآن هو الذي سيسمو بكم، ويريكم الطريق”

 أصبح ألبير كامو اسمًا يتردد في أكثر الموضوعات رواجا عن وباء كوفيد-19. وعلى الرغم من تنصله من لقب “فيلسوف وجودي” تجنبا للشراكة مع جان بول سارتر – الصديق الذي انقلب عدوا بعد ذلك – إلا أن محور أعماله كان الموضوعات الوجودية، مثل حاجة كل شخص إلى تحمل مسؤولية اختياراته وأفعاله الخاصة كي يخلق معنى لحياته. لا يوجد معيار لقياس المعنى بالنسبة للوجوديين؛ أو بالأحرى، إن البشر يضفون المعنى للحياة بأنفسهم. وبالنسبة لكامو، فإن الحياة عبثية بطبيعتها، ويبرز هذا بوضوح في عدم التوافق بين ما نرجوه من الحياة وما تمنحنا إياه بالفعل. ولذلك يتوجب علينا أن نتحمل مسؤولية خلق معنى للحياة بأنفسنا. وربما يكون الجزء الأكثر عبثية في الأمر برمته هو أننا لا نكتشف أبدًا ما إذا كنا نقوم بذلك بطريقة صحيحة أم لا. في الطاعون، يُطرح “العيش وفقا للفضيلة” كإحدى الوسائل لخلق المعنى. ولكن بالنسبة لكامو، فحتى الفضيلة ليست ذات مغزى أكثر مما تعنيه لصاحبها.

      في الطاعون تبرز حاجة الفرد لمجابهة العبث واضحة جلية، وقد حُبكت ببراعة في سرد أدبي حول انتشار الطاعون، والذي أَوَّلَهُ كثيرون على أنه رمز لاحتلال فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية. في حقيقة الأمر إن لفظة الطاعون في الرواية لها دلالتان: الأولى هي دلالة حرفية، أي وباء كارثي يخرب بلدة وهران في الجزائر فيخضعها لحجر صحي صارم. أما الدلالة الثانية فهي الأكثر إدهاشاً والأكثر ديمومة. فهي ترمز إلى الانحطاط الثقافي، ولا سيما فيما يتعلق بهشاشة العلاقة بين الجنس البشري والطبيعة، الأمر الذي دفع بوهران نحو تقبُّل المرض بنوع من الرضا الذي قد يكون سَبَّبَهُ ولع أهلها بجمع الأموال. وقد أدى هذا الرضا إلى انعدام الحيطة والحذر وعدم القدرة على إقامة دفاعات قوية ضد تفشي المرض، مما أدى في نهاية المطاف، وبشكل مأساوي، إلى تضاعف شره الطاعون الذي أودى بحياة عدد مهول من مواطني البلدة. لذلك، بإمكان المرء أن يقرأ الكتاب بطريقة تعزو نشوب الطاعون “بحسب الدلالة الأولى” إلى تفشي الطاعون “بحسب الدلالة الثانية”.

إلى الأبد سوف يُعرف عام 2020 باسم عام كوفيد-19. ومن الناحية السياسية، أعتقد أيضا أنه سيتم تذكره باعتباره العام الذي أعلنت فيه الأنظمة الاستبدادية حول العالم عجزها على الملأ. أما بالنسبة للكثيرين منا، فسيتم تذكره على أنه العام الذي تباطئ فيه المسؤولون المنتخبون لمنع فقدان شخص عزيز.

لقد أصبحت مجتمعاتنا أيضا راضية إلى حد ما، وقد كانت آثار هذا الرضا حقاً مفجعة. ومع ذلك، وكما يذكرنا كامو، “لم نفقد كل شيء بعد”. للمأساة برغم ذلك حسناتها؛ فلقد اتحد الناس سويا لمجابهة المرض، وأصبح عديد منهم أفضل مما كانوا عليه، ولم يعودوا يحصرون تفكيرهم في أنفسهم فحسب؛ بل أخذوا يتبرعون بمعدات الحماية الشخصية لغيرهم في المستشفيات، وأخذوا يرعى بعضهم البعض، ويرضخون لأوامر البقاء في المنزل تجنبا لنقل المرض. وقد كانت تلك واحدة من أكثر الطرق التي قرع بها “طاعون كامو” آذاننا اليوم.

البطل

ربما يكون المتطوع جان تارو هو الشخصية الأكثر بروزاً وجمالًا وإثارة للإعجاب في الطاعون. فعلى الرغم من كونه غريبًا يزور المدينة، وعلى الرغم من افتقاره للتدريب الطبي الاحترافي، إلا أنه يرى ما يتوجب عليه فعله ويقوم به. ربما لا يستطيع تارو تحويل تيار الطاعون أو إنقاذ حياة عديد كبير من الأشخاص المتضررين منه؛ بيد أنه ظل رغم ذلك واقفا، صلبا، لا يتزعزع، مقتنعًا بصحة أفعاله، وعلى أهبة الاستعداد للمجازفة بحياته في سبيل إنقاذ حيوات الآخرين. ولكن المخاطر تزايدت أثناء قيامه بعمله ومات في نهاية الأمر متأثرا بالطاعون، ليصبح بذلك آخر ضحية للوباء.

   إن المناجاة الطويلة التي يقوم بها تارو قرب نهاية الكتاب هي من أكثر اللحظات روعة في هذا العمل المدهش. ولعل الغرض من هذا الخطاب هو وصف ما يمكن أن يطلق عليه القارئ الحصيف “الطاعون الحقيقي”، وهو المعنى الضمني لهذا الكتاب – أي غريزة قتل إنسان إنسانا آخر، أو، على الأقل، الرغبة في الإتيان بموته عن طريق إتخاذ تدبير ما، أو عدم اتخاذه. ولكن بعض الأشخاص لا يعرفون أن هذا الوحش يكمن بداخلهم؛ لأنهم ببساطة قد تعلموا كيف يتعايشون معه. 

يبدو أن الطريق الوحيد نحو الصلاح، من وجهة نظر كامو، هو أن تصبح نوعًا ثالثًا من الأشخاص، هذا النوع هو “تارو”- أي الشخص الذي يصبح مدركًا لذاته ويعمل على تغيير نفسه عن طريق مساعدة الآخرين. فقد كان تارو يعلم جيدا أنه يحمل بداخله نوعاً آخر من الطاعون، إلا أنه كان دائما يُريد إخراجه.

يعود التاريخ الفلسفي لهذه الفكرة التي نحتاجها لتحسين أنفسنا إلى اليونان القديمة. فعلى سبيل المثال، في كتابه “محاورة جورجياس” يروي أفلاطون حجة يقول فيها الأب المؤسس للفلسفة الغربية “أستاذه سقراط” أن الغرض من العقاب هو جعل المُعَاقَب شخصا أفضل مما كان عليه. وعلى ذلك، إذا تصرف المرء بشكل غير عادل، فمن مصلحته أن يسلم نفسه للسلطات من أجل العقاب، لكي يصبح شخصا أفضل. وبالمثل، يسعى تارو إلى مقاومة نفسه لقمع أي ميل داخلي للتخلي عن أولئك الذين يحتاجون مساعدته. ولدى قيامه بذلك فإنه يعزز تعاطفه نحو أخيه الإنسان، وأنه بهذا – بهذا فقط- يمكنه تعزيز إنسانيته، ويقوده هذا إلى تنظيم تشكيلات صحية من المتطوعين للمساهمة قدر المستطاع في تخفيف حدة انتشار المرض. وبالنسبة لتارو فإن الرجل الشريف هو “الرجل الذي لا يكاد ينقل العدوى لأحد، هو الرجل الذي يبذل ما في جهده لكي لا يقع في السهو”. وقد أمضى تارو أيامه الأخيرة يُراقب نفسه باستمرار حتى لا يحدث في لحظة سهو أن يتنفس في وجه أحد الأشخاص فتلتصق به العدوى.

لكن المغزى الأعمق لهذه الشخصية في هذا الكتاب الذي يتحدث عن الطبيعة العبثية للمعاناة والحالة الإنسانية بشكل عام، يبدو في نهاية المطاف كأنه نقدا للطريقة التي يتم بها استغلال الأشخاص الطيبين من قبل بقية البشرية. فتضحية تارو تقتضيها رغبة السياسيين في الاقتناع بأن المسألة لا تتعدى كونها إنذارا “كاذبا” حتى بعدما عرف الدكتور ريو وخبراء آخرين السبب الحقيقي لارتفاع عدد القتلى. ومع ذلك، فإن الأمور لم تصبح ملحة بعد بما فيه الكفاية لتحث السياسيين على العمل لمنع خروج الأمور عن السيطرة.

الضحايا

يبدأ السرد بوصف وهران وكأنها تمر – نوعا ما- بما يشبه الغيبوبة. وأنها قد تجاوزت المخاوف العادية، وأن الرغبة في كسب المال قد تغلبت ببساطة على الرغبة في إنفاقه في الخير. ولكن المال يكون ذا قيمة فقط بقدر ما يرغب المرء في استخدامه كوسيلة تدفعه نحو الخير. فبمجرد نسيان ذلك، يكون الجشع -الذي يكنزون الثروة لأجله- هو المحصلة الوحيدة الممكنة. ولعل أكثر ملاحظة عبثية يمكنني تذكرها من قراءتي للكتاب، هي الشعور بأن الطاعون بالنسبة للمدينة في الواقع هو العلاج. هذا يعني أنه على الرغم من أن تفشي الوباء قد أودى بحياة الكثيرين وأنه قد مَسَّ حياة شعب بأسره في الصميم، إلا أنه أيضاً قد هوى بالأوضاع غير الأخلاقية التي عاشها سكان البلدة قبل اندلاع الوباء. وكان من شأن هذا الوباء الذي لم يكن منه بد أن يؤثر على أخلاق الناس طوال الوقت. فقد أعاد الترابط والتعاون ومغزى الحياة إلى بؤرة تركيزهم. وفي النهاية قد حَمَّل الطاعون الساسة مسؤولية ما حدث. وقد أشار الإحجام عن اتخاذ التدابير الاحترازية بشكل مؤسف إلى ضعف آليات الدولة في اتخاذ إجراءات بشأن الأدلة الغريبة التي ظهرت وبشأن تطبيق تلك الإجراءات الوقائية التي كان من الممكن أن تحول دون تفشي الوباء. لذلك، كان لا بد، بالنسبة لسكان وهران جميعهم أن يباغتهم الطاعون على غير استعداد منهم لملاقاته، وأن يستقر بينهم قبل اتخاذ أي اجراءات ضده، والأفدح من ذلك هو أن الحكومة لم تكن مستعدة للتصرف بناءا على النُذر الأولى المُعترف بها من قبل الخبراء.

يجب ألا ننسى أيضاً أن ثقافة وهران نفسها هي التي دفعت الأمور في هذا الإتجاه: ذلك أن مواطنيها لم يفكروا قط -بسبب الأهمية القصوى التي يعلقونها على الأعمال المالية- في أنه يمكن لهذه المدينة الصغيرة أن تصبح مكانا مختارا للطاعون. وفي نهاية الأمر قد أدى افتقارهم للحيطة والحذر إلى الدمار والحزن. كما يقول كامو في الفقرة الثالثة من الكتاب:

“لعل من أسهل الطرق التي يتعرف بها المرء على مدينة ما أن يبحث: كيف يعمل الناس فيها، وكيف يحبون، وكيف يموتون، ففي مدينتنا الصغيرة – وقد يكون ذلك من تأثير الجو- يحدث كل هذا بطريقة واحدة عصبية، ومعنى هذا أن السأم يدرك أهل المدينة، وأنهم يبذلون جهدهم كيما تكون حياتهم سلسلة من العادات الراسخة، ومواطنوها كثيرا ما يعملون، وهدفهم الدائم هو الثروة، والتجارة أكثر الأشياء إثارة لاهتمامهم، فهم –على حد قولهم- يشغلون أنفسهم أولا بعقد الصفقات. ومن الطبيعي أن يميلون كذلك للمباهج التي يميل إليها الناس جميعاً، فيحبون النساء والسينما وحمامات البحر، لكن حكمتهم تدفعهم إلى الاحتفاظ بهذه المسرات لمساء السبت ويوم الأحد، باذلين جهدهم طوال أيام الأسبوع الأخرى، في كسب الكثير من المال.”

إذن، فالمواطنون ليسوا أبرياء، أو بالأحرى، يبدو كما لو أنهم لا يولون الأمر كثيرا من الاهتمام.

المُشاهد

كان بنيامين ريو، الطبيب المكلف من قبل البلدية للتعامل مع الطاعون، رجلا شجاعا قادرا على تحمل المشاق، وكان معتادا تمامًا على التعامل مع المسؤولين الذين لا يولون لمخاوفه اهتماما. إلا أنه، رغم هذه الصفات، ليس رجلا فاضلا من وجهة نظر كامو. ذلك أن غضبه من النظام البيروقراطي لم يصل بعد من القوة إلى الحد الذي يكفي لفرض التدابير السريعة اللازمة. وأما البطل الوحيد في الطاعون -من وجهة نظر كامو أيضاً- هو تارو، الذي يفعل ما يتطلبه الأمر بالرغم من أنه غير مؤهل لذلك وغير مسؤول عن هاته الكارثة التي أصبح في نهاية الأمر ضحية لها. 

يصبح تعاطف كامو أكثر وضوحا في نهاية الرواية بالرغم من حضوره الجلي طيلة الوقت والذي يظهر في اختياره لـ ريو كراوٍ للأحداث. إن جرم ريو في إدراكه بأنه أخفق في التصرف بقوة كافية في وقت مبكر لا يقلل من إنسانيته بل يُظهرها واضحة جلية. في الواقع، يقترب ريو من الحكمة مع اختتام العمل، فقد تعلم ريو في النهاية أن “الفرح دائما مهدد”. وبهذا التعبير البسيط يُسلط لنا كامو الضوء على الجمال الكامن في الوجود العبثي للإنسان.

إننا نتوقع باستمرار الأحداث التي ستحدث في المستقبل كي نتمكن من توجيه أعمالنا، ومع ذلك فإننا في غالب الأحيان نتعلم أين يكمن الخطر الحقيقي فقط من خلال المأساة نفسها. ففي بداية القصة، يظهر عجز ريو من خلال عدم قدرته على العمل على المستوى الإداري؛ وفي نهايتها يتسع نطاق وعيه ويعود بذلك إلى نقطة البداية. إذن، ما الذي يمكن أن يكون أكثر عبثاً من إدراك خطر الأزمة فقط من خلال معايشتها، كما لو أنها مقدر لها الحدوث وليس بوسع أحد أن يغير ذلك؟ وبهذا المفهوم، فإن مجاز “الطاعون” يوحي بأن الجمود الثقافي، والافتراض السائد بأن المستقبل سيشبه الماضي (الذي أطلق عليه ديفيد هيوم “مبدأ عالمية الطبيعة”) هو الذي يجعل الحياة منتهى العبث.

الأمل في المستقبل

إن الأمل في التغلب على عبثية الوضع البشري أمر مستحيل التنفيذ بطبيعة الحال، وخاصة عندما يكون ذلك بسبب الجمود الثقافي، فبينما نجابه حقائق جوهرية أخرى من حقائق الحياة فهناك رغم ذلك نوع من الأمل الباطني يولد. فعلى سبيل المثال، عندما يسيطر علينا حب شخص ما (أو حب شيء ما) فإنه يدفع بتفكيرنا نحو منطقة غير مألوفة. فإن رامبرت، ذلك الشخص الذي اُجبِرَ على البقاء في الأرض التي باغتها الطاعون على حين غرة، قد أيقن في لحظة إلهام أن العالم أكبر من هواجسه، وأكبر من حبه. وفي محاولته لمقاومة هذا اليقين، ماذا يفعل عندما يجتمع شمل الحبيبين؟ كما يروي ريو باقتدار: ” لقد خلق الطاعون فيه نوعا من الشرور راح يحاول -بكل جهده- أن ينكره، ولكنه مع ذلك، كان يلازمه كقلق مكتوم. كان يشعر -على نحو ما- بأن الطاعون قد انتهى فجأة، وأنه لم يعد حاضر الذهن كما كان من قبل.” إن عدم جاهزية رامبرت لمواجهة محبوبته بعد انتهاء الطاعون هو أحد أعراض إدراكه أن هوسه بها -الذي كان بمثابة دافع كبير في حياته- قد قل الآن بإدراكه لهذه الحياة الشديدة العبث.

خلاصة الأمر أن الطاعون كتبت لتعلمنا تقدير لحظات السعادة والفرح التي نتشاركها، لمجرد أن البشرية، بشكل عبثي، وسخيف، ومؤلم، غير مؤهلة بشكل كاف للتعامل مع الضغوطات والمؤثرات الخارجية التي تواجهها. وكيف لا يكون الأمر كذلك وما زالت البشرية بطيئة الاستجابة للكوارث والتهديدات بالرغم من قوة حضارتها؟

جوهر عبثية الوجود عند كامو في الطاعون هو أن الأفراد يموتون عندما تفشل الجماعة في التعرف على التهديدات المتوقعة أو الاستجابة لها كما ينبغي – كما هو الحال بالنسبة لرد فعلنا على طاعوننا الحالي. لذا، وكما تنبأ راوي الطاعون، فإن “جرثومة الطاعون لا تموت ولا تختفي أبدا”. ولا يسعنا إلا أن نأمل ونحب ونتفاعل، وأن نكون خيرين قدر الإمكان. ومع ذلك، فليس من الصواب أن نقول: “إننا نستحق هذه التعاسة” مثلما قال الأب بانلو، بل إن الصواب هو افتراض أن البشرية ستتمكن في يوم من الأيام من التصدي لجميع التهديدات التي تتعرض لها دون فقدان الأرواح. وما دُمنا مستمرين في العيش غير مدركين – في خضم هذا الصراع بين جنسنا والطبيعة- أن الحياة والموت ستظل تتحكم بهما وسائل خارجة عن سيطرتنا بل وعن فهمنا؛ فإن هذا يعني أن الحياة ستظل عبثا في عبث.

توماس ديلان دانيال: مؤلف لأربعة كتب في الفلسفة والأدب والشعر.

المصدر: Philosophy Now JUNE / JULY 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى