انطباعاتعام

حوار مع فلاديمير نابوكوف في تلفزيون الإذاعة البريطانية الـ BCC ، ونشره في كِتابه “آراء حادة

حوار مع فلاديمير نابوكوف في تلفزيون الإذاعة البريطانية الـ BCC ، ونشره في كِتابه “آراء حادة”*.
ترجمة: أحمد أبوالخير.


*لزم التنويه أن اسم الكتاب الموجود  به الحوار هو Strong Opinion ، وترجمه المترجم السوري يزن الحاج في مقالة له عن نابوكوف بـ “آراء حادة”، وتلك أوقع ترجمة لعنوان الكِتاب.

في منتصف شهر يوليو عام 1962م، أتى كُلاً من بيتر ديوفال سميث وكريستوفر بيرستال من تلفزيون BBC لعقد مقابلة صحفية معي في زيرمات*، حيث تصادف وجودي هناك في ذلك الصيف لأقضي بعض الوقت؛ وأنا أجمع الفراشات.
لذا،كانت الفراشات والعث حاضرة في تلك المناسبة، وكذلك الطقس. لم يُعط أيّ من الزوار وكذلك طاقمهم اهتمامًا كبيرًا من قبل بتلك الحشرات ، وتأثرت شاعرًا بالإطراء جراء دهشتهم الصبيانية، عندما رأوا حشود الفراشات وهي ترتشف الرطوبة من على الوحل المتناثر في أماكن متفرقة من الممر الجبلي.
تم التقاط الصور للأسراب التي حلقت عند اقترابي منها، ولقد خصصت ساعات أخرى من اليوم في إعادة إنتاج نسخة مناسبة للمقابلة المُتلفزة.

ظهر، أخيرًا، في برنامج بوك استاند ونٌشِر الحوار في مجلة ذا ليسنر (22نوفمبر عام 1962م). لقد أضعت البطاقات التي كتبت عليها إجاباتي. 
أظن بأنّ النص المنشور قد أّخذ مباشرة من شريط التصوير، لأنّه محتشد بمعلومات غير دقيقة. ولقد حاولت التخلص من ذلك بعد عشر سنوات، ولكنني أجبرت على شطب بعض الجمل هنا وهناك، حيث عجزت الذاكرة على استعادة الإحساس المعيب بسبب الكلام الذي تم إصلاحه بصورة غير صحيحة. ستجد القصيدة التي اقتبستها(مع إضافة قافيات موزونة) مُترجمة إلى الإنجليزية في الفصل الثاني من رواية الهدية.

*زيرمات: قرية صغيرة سياحية في جنوب سويسرا على الحدود مع إيطاليا.

هل ستعود إلى روسيا؟ 
لن أعود أبدًا، لسبب بسيط؛ داخلي دائمًا كل ما أحتاج إليه من روسيًا: الأدب، اللغة، وطفولتي الروسية. لن أعود أبدًا، وأبدًا لن أستسلم [لهذا الإغواء]. ولن يتلاشي أبدًا، على أية حال، من حياتي الشبح البشع للدولة البوليسية. ولا أعتقد أنّهم [في روسيا] يعرفون شيئًا عن أعمالي، ربما يُوجد عدد من القراء، يقومون من خلال قراءتهم بأداء خدمة سرية خاصة، ولكن دعنا لا نغض الطرف عن تنامي روسيا الهائل على المستوى الإقليمي خلال الأربعين سنة الماضية، فضلاً عن الحقيقة أن الشعب مُجبر على ما يقرأه، وما يفكر فيه.
سعادتي غامرة داخل أمريكا عن أي دولة أخرى. وجدت أفضل القراء في أمريكا، أفضل العقول شبهًا بي. داخل أمريكا، أشعر بأنني فكريًا في موطني. أمريكا هي موطني الثاني بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

أنت خبير في حٌرشفيات الأجنحة، أليس كذلك؟
بلي، فأنا مهتم بالتصنيف، التنوع، التطور، البِنية، أماكن تواجد، العادات لحرشفيات الأجنحة*: ويبدو أن هذا الاهتمام واسع المجال، ولكنني في الحقيقة خبير فقط في مجموعة صغيرة للغاية من الفراشات. أسهمت بعدد من الدراسات حول الفراشات لمتنوع الجرائد العلمية – ولكنني أود تكرار أن اهتمامي بالفراشات هو اهتمام مقصور على جانبه العلمي فقط.*حرشفيات الأجنحة: فصيلة من الحشرات تضم الفراشات والعثات**.
**العثات: هي نوع من الحشرات الليلة الطائرة الشبيهة بالفراشات.

هل توجد أي صلة بين ذلك وبين كِتابتك؟
توجد تلك الصلة ولكن في صورتها العامة المطلقة؛ لأنني أعتقد بوجود نوع من المزيج،داخل العمل الفني، بين أمرين، المزيج بين الدقة [المتعلقة] بالشعر، والحماسة المصاحبة للعلوم البحتة.

تخبرنا واحدة من شخصيات روايتك الجديدة، نار شاحبة، بأنّ الواقع لا يتمتع بالموضوعية أو القصدية للفن الحقيقي. فالفن يخلق واقعه الخاص. فما هو هذا الواقع؟
الواقع مسألة ذاتية للغاية. يُمكنني فقط تعريفها على أنّها نوع من التكدس التدريجي للمعلومات؛وعلى أنّه نوع من التخصص.إذَا أخذنا على سبيل المثال زهرة الزنبق(1)، أو أي نوع من الموضوعات الطبيعية، فتصبح الزنبقة ذات واقع وحقيقة أكبر لعالم الطبيعة(2) عما هي عليه للمواطن البسيط . ولكنّها تظل أكثر في واقعها لعالم النبات(3). وتظل هناك مرحلة أخرى من الواقع نصل إليه مع عالم النبات المتخصص تحديدًا في الزنابق. يُمكن الإقتراب أكثر وأكثر وكذلك التحدث، عن الواقع؛ ولكنك لن تقترب أبدًا كفاية لأنّ الواقع سلسلة لا نهائية من الخطوات، مستويات من الإدراك، أساسات وهمية، وبناء عليه الأمر تعجيزي، وغير قابل للتحقق.
  يُمكنك معرفة المزيد والمزيد عن شيء واحد ولكنك لن تعرف  أبدًا  كُل شيء عن شيء واحد: فالأمر ميئوس منه. لذا نعيش محاطين فالقليل أو الكثير من الأهداف الشبحية، ومنها، بالنسبة لي،على سبيل المثال، الآلة.
 الآلة، بالنسبة لي، شبح كامل – ولا يُمكنني استيعاب أي شيء عنها، حسنًا، إنّ أمرها مُحير، ولغز، بقدر ما ستكون كذلك بالنسبة للورد بايرون(4).
(1): واحدة من أنواع مُتعددة من النبابات، لها أزهار كبيرة على شكل الجرس وألوانها مختلفة وأشهرها ذات اللون الأبيض.
(2) عالم الطبيعة: عالم يعمل على دراسة الحيوانات والنباتات.
(3) عالم النبات: عالم وظيفته هو عمل الدراسات البحثية حول النباتات البرية.
(4) اللورد بايرون: هو جورج جوردون بايرون، وهو شاعر بريطاني عاش في أوائل القرن التاسع عشر (1788 – 1828)

تقول بأنّ الواقع مسألة ذاتية مكثفة، ولكن يبدو  أنّ كتبك تمتليء ببهجة متعلقة بعملية الخداع الأدبي.
في خضم دور الشطرنج،كلما كانت الحركة مزيفة، كلما نما الوهم المتعلق بالحل، أو بأنّه سحر الساحر: عندما كُنت صبيًا،اعتدت أن أكون ساحرًا صغيرًا، أحببت القيام بالخدع البسيطة – تحويل المياة إلى خمر، مثل هذه الأمور، ولكن أعتقد أنني كُنت مع صحبة جيدة لأنّ الفن كله خداع، وكذلك الطبيعية؛ حيث إنّ التضليل في صورة احتيال، أمر جيد، بداية من الحشرة التي تحاكي ورقة الشجر إلى الإغواءات المنصبة على العامة للتناسل والإنجاب.
 هل تعرف كيف بدأ الشعر؟ أعتقد دائمًا بأنّه بدأ عندما جرى فتي الكهف عائدًا إلى كهفه، عبر العشب الطويل، صائحًا وهو يجري “ذئب، ذئب”، ولم يُكن هناك ذئب. وبلا شك، وفرّ له والديه، الشبيهان بالبابون* والمتسِمان بالتمسك بالحقيقة، مخبأ، ولكن هنا قد ولد الشعر – قد ولدت القصة الطويلة في أحضان العشب الطويل.*البابون: قرد عملاق يقيم على الأرض له أنف طويلة كالكلب وأسنان كبيرة، يعيش في الأساس في إفريقيا وجنوب آسيا.

تتحدث عن ألعاب الخداع، كالشطرنج وحيل خفة اليد، هل أنت، في الحقيقة، مغرمًا بهم؟
أنا مغرم بالشطرنج، ولكن الخداع في الشطرنج، كالأدب، هو فقط جزء من اللعبة؛ جزء من المنافسة، جزء من الإمكانيات الممتعة، أوهام، صور ذهنية للفكر والتي من الممكن أن تكون صورًا مُزيفة.
 أعتقد بأنّه يجب دائمًا أن تتضمن المنافسة الجيدة على عنصر معين من الخداع

تحدثت، عن ممارسة الحيل السحرية في روسيًا عندما كُنت طفلاً ، وأتذكر  بأنّك اهتممت في بعض أكثر المقاطع المكثفة في عدد من كتبك بذكرياتك عن طفولتك المفقودة. فما هي أهمية الذاكرة بالنسبة لك؟
الذاكرة في حد ذاتها أداة، واحدة من عِدة أدوات يستخدمها الفنان، وبعض الذكريات- التي ربما تتسم بأنّها ذات سمة عقلانية أكثر من كونها عاطفية – هشة للغاية، وفي بعض الأحيان من الممكن فقدانها الصفة المميزة للواقع عندما يعمل الروائيين على إقحامها في كُتبهم، أو إضفائها على الشخصيات.

هل تعني بذلك أنك تفقد الإحساس بالذاكرة بمجرد العمل على كِتابتها؟
أحيانًا، ولكن يٌشير ذلك إلى نوع مُحدد من الذاكرة العقلية. ولكن، على سبيل المثال، أوه، لا أعرف، حيث أنني أتذكر الأزهار المُنعشة التي رتبها البستاني داخل الصالون الهاديء في منزلنا الريفي، كما أتذكر الجري،منذ أكثر من نصف قرن، لأسفل السلم في يوم صيفي، ممسكًا شبكة اصطياد الفراشات: فبالتأكيد هذا النوع من الأمور باقِ، خالد، ولا يُمكن أبدًا تغييره، ولا يهم عدد المرات التي ضمنت ذلك داخل شخصياتي، لأنّها دائمًا معي، حيث الرمل الأحمر، مقاعد الحديقة البيضاء، شجر التنوب الأسود*، كل شيء، بالنسبة لي، عبارة عن ممتلكات ثابتة.
 أعتقد بأنّ المسألة مسألة حب: كلما أحببت الذكرى، كلما صارت أكثر قوة وأكثر غرابة. 
أعتقد أنّه من الطبيعي أن أمتلك تأثير انفعالي تجاه ذكرياتي القديمة، وهذا ينطبق على الذكريات المُتعلقة بطفولتي، أكثر من تلك المُتكونة فيم بعدها، لذا فكامبريدج في إنجلترا، أو كامبريدج في نيو إنجلاند ستصبح داخل عقلي ونفسي أقل حيوية عما قد يكون عليه ذلك الركن في الحديقة التي نملكها في روسيا.
*شجر التنوب الأسود: شجرة بأوراق مدببة كالإبر ولكنها لا تسقط في فصل الشتاء

هل تعتقد بأنه في إمكان القوة المكثفة للذاكرة العمل على كبح رغبتك في الابتكار داخل أعمالك؟
لا أعتقد ذلك. لأنّ نفس أنواع الأحداث تحصل بصورة تجددية، أحيانًا بأشكال مختلفة بعض الشيء. وهذا يعتمد على شخصياتي.

على الرغم من السنوات العديدة في أمريكا، هل لا تزال تشعر بأنّك روسي؟
بالطبع أشعر بأنني روسي، وأعتقد بأنّ أعمالي الروسية  المُتنوعة بين الروايات، الشعر، والقصص القصيرة التي كتبتها خلال تلك السنوات، هي نوع من التقدير إلى روسيا. ويُمكنني، ربما، تعريفهم، على أنّهم موجات وتموجات ناتجة من تأثير الصدمة الحادثة بسبب إخفاء روسيا من طفولتي.
 وها أنا ذا حاليًا أدفع جزء من هذا التقدير إلى روسيا، عن طريق عمل مكتوب بالإنكليزية عن بوشكين.

لم يبدو عليك الحماسة والإهتمام ببوشكين؟

بدأ الأمر مع الترجمة،ـ مع الترجمة الموضوعية. أعتقد بأنّها كانت ترجمة صعبة، وبدا أنّه كلما زادت الترجمة صعوبة، كلما بدا عليها أنّها تزداد في عملية إثارتها ومتعتها. إذًا فالأمر لا يتعلق بالإهتمام المُتزايد ببوشكين – طبعًا أحبه بصورة مفرطة حيث أنّه واحدًا من أقدر الشعراء الروس، ولا شك حيال ذلك – ولكنها مُجددًا المزيج  الممتع لإيجاد الطريق الصحيح للقيام بالأشياء، والاقتراب الحقيقي من خلال ترجمتي من الواقع، الواقع الخاص ببوشكين.
وفي الواقع، أهتم بشكل لا حد له بالأشياء الروسية، وها أنا ذا أعمل على مراجعة ترجمة جيدة لروايتي، الهدية، التي كتبتها منذ ثلاثين عامًا مضى. إنّها الأطول، أعتقد الأفضل، والأكثر نوستالجيا في رواياتي الروسية. حيث تصور،في العشرينيات، المغامرات الأدبية، والرومانسية لشاب روسي مغترب في برلين، ولكن هنالك مسافة بيني وبين البطل. أحرص حرصًا شديدًا على إبقاء شخصياتي الروائية متوارية خلف حدودي الشخصية. يُمكن القول فقط بأن الخلفية للروايات تحتوي على بعض اللمسات من سيرتي الذاتية. وهناك أمر يسرني بخصوص هذا الشأن: ربما قصيديتي الروسية المفضلة تلك التي قِيلت على لسان إحدى شخصياتي الرئيسية في تلك الهدية.

كتبتها بنفسك؟
بالطبع كتبت تلك القصيدة بنفسي، وأتساءل إذا كُنت قادرًا الآن على إنشادها ومن ذاكرتي بالروسية. دعني أشرحها لك: هنالك شخصان، فتى وفتاة، يقفان على جسر، فوقهما أشعة الشمس المنعكسة، وهنالك طيور السنونو تمر من أمامهما بسرعة، يستدير الفتى ناحية الفتاة ويقول لها “أخبريني، هل تذكرين دائمًا هذا السنونو؟ – ليس أي نوع منهم، ولا تلك الأنواع من السنونو، ولكن هذا النوع من طائر السنونو تحديدًا الذي يمر سريعًا؟” وقالت له “بالطبع، سأفعل”، وانفجرت عيونهما بالدموع

بأي لغة تفكر؟
لا أفكر بأي لغة، أفكر بالصور. لا أعتقد بأنّ الناس تفكر باللغة. فهم لا يحركون شفاههم عندما يفكرون. إنّها فقط طريقة معينة للشخص الجاهل الذي يحرك شفايفه عندما يقرأ أو يفكر ويتأمل.
 لا أفكر باللغة، أفكر بالصور، والآن وفيم بعد تتكون الجملة الروسية أو الإنجليزية عبر رغوة الموجات الدماغية، وهذا كل ما في الأمر.

بدأت الكتابة بالروسية وبعدها تحولت إلى الإنجليزية، أليس كذلك؟
بلي، وكان ذلك نوع من التحول العسير للغاية. مأساتي الخاصة، والتي، حقًا، من الممكن أن تلق اهتمام أي إنسان، أنّه وجب عليّ التخلي عن لغتي الأم، تعبيراتي الأصلية، الغنية، التخلي عن لساني الغني اللانهائي والروسية الطيعة،لمقابل تصنيف ثاني من [اللغة] الإنجليزية.

كتبت رف كامل من الكُتب بالإنجليزية، وكذلك بالروسية. ولكن من بينهم جميعًا تُعرف رواية لوليتا. هل يضايقك أن تكون رجل رواية لوليتا؟
لا، ولن أقل ذلك، لأن لوليتا مفضلة بصورة خاصة. كانت أكثر الكتب صعوبة – الكِتاب الذي عالج ثيمة مختلفة تمامًا، نائية بصورة كبيرة، عمّا هي عليه حياتي العاطفية، وإن كان ذلك قد أعطاني متعة خاصة؛لأستخدم موهبتي المركبة؛لأجعل الأمر واقعيًا.

هل تفاجئت بهذا النجاح المتوحش عندما خرجت؟
اندهشت، لأنّه، بعد كُل ذلك، طٌُبِعَ الكِتاب.

هل،في الحقيقة،انتابتك أية شكوك حول إذا كانت رواية لوليتا ستُطبع أم لا، وواضعًا في الاعتبار مسألة موضوعها؟
لا، لأنّه بالنهاية، عندما تعمل على كِتابة أحد كُتبك، فأنت، عامة، تتخيل عملية نشرها في المستقبل القريب. ولكنني سٌررت لنشر الكتاب.

ما هو أصل رواية لوليتا؟

تولدت فكرة الرواية منذ فترة طويلة، لابد أنّ ذلك كان في باريس عام 1939م، ولقد تدفق بداخلي أول نبض طفيف للرواية عام 39، أو ربما مبكرًا في بداية عام 40، تزامن ذلك مع الهجوم الشرس المُتربص بي لألم عصبي بين الضلوع، مؤلم للغاية أكثر من الغُرز الرائعة في ضلع آدم.
بقدر ما أتذكر أن استدعاء الرجفة الأولى للإلهام كانت بطريقة غامضة من خلال قصة صحفية – وأعتقد أنّها كانت في جريدة مساء باريس- كانت تدور حول قرد في حديقة باريس، تمكن العلماء بعد أشهر من ملاطفته إلى جعله يُنتج، في النهاية، أول رسمة بالفحم يرسمها حيوان، وأظهر هذا الاسكتش، المستنسخ على الورق، القضبان التي تأوي بداخلها المخلوق المسكين. 

هل شخصية همبرت همبرت، هذا المستدرج الذي في منتصف العمر، لديه أي أصل أو أساس في الواقع؟
لا. إنّه رجل قد ابتكرته، رجل يتعايش مع هاجس، وأعتقد أن العديد من شخصياتي الروائية لديها مثل هذه الهواجس المفاجئة، أنواع مختلفة من الهواجس؛ ولكنه لم يتواجد أبدًا.
 ثم تواجد بعدما انتهت من الكتاب. في حين عندما كُنت أعمل على الكِتابة، قرأت هنا وهناك في الصحف كل أنواع التقارير حول الرجال العجائز الذي يلاحقون الفتيات الصغيرات: نوع من المصادفة المسلية، ولكن هذا كل ما في الأمر.

هل لشخصية لوليتا أصل؟
لا، لم يكن لوليتا أي أصل أو أساس. ولدت الشخصية داخل عقلي. لم تتواجد أبدًا.وكحقيقة، لا أعرف الفتيات الصغيرات جيدًا. عندما فكرت في هذا الموضوع، لم أعتقد بمعرفتي لأية فتاة عزباء صغيرة. قابلتهن الآن وفيم بعد ضمن  أطر اجتماعية، ولكن شخصية لوليتا جزء من مخيلتي.
كان أمر ممتعًا القيام به. ومع ذلك، لماذا أعمل على كتابة أي واحدة من كُتبي؟ من أجل المتعة، من أجل الصعوبة. لم تُكن لديّ أية أهداف مجتمعية، لا رسالة أخلاقية،  أفتقر لوجود أفكار عامة لاستغلالها، أحب فقط تأليف الألغاز ذات الحلول الراقية والممتازة.

لماذا كتبت لوليتا؟
كانت أمرًا ممتعًا للقيام به. ومع ذلك، لماذا أقدمت على كِتابة أي واحدة من كُتبي؟ من أجل المتعة، من أجل الصعوبة. لم يُكن في نيتي أية أهداف مجتمعة، أو رسالة أخلاقية؛ أفتقر لوجود أفكار عامة لإستغلالها، أحب فقط تأليف الألغاز ذات الحلول الراقية والممتازة.

كيف تكتب؟ ما هو نظامك؟
الآن، أجد أن البطاقات المفهرسة هي حقًا أفضل أنوع الأوراق التي أستطيع استخدامها لهذا الغرض. لا أكتب بشكل تتباعي من البداية إلى الفصل الذي يليه وهكذا حتى أصل للنهاية. فقط أعمل على سد الفجوات للصورة، لهذا اللغز من الأحجية، أقتنص جزء من هنا، وآخر من هناك، وأكمل جزء من المساء، جزء من المناظر الطبيعية، وجزء من – لا أعرف حقًا- حفلات السٌكر للصيادين.

مظهر آخر من وعيك اللااعتيادي تمامًا هو الاهتمام الاستثنائي التي تعطيها للألوان.
الألوان. أعتقد،حقًا!، بأنني ولدت رسامًا، وربما، حتى الرابعة عشرة من عمري، كنت أقضي معظم الوقت في اليوم أقوم بعملية الرسم والتلوين، وأتصور أنّه كان من المفترض أن أصبح رسامًا في الوقت المناسب. ولكنني لم أعتقد بإمتلاكي أية موهبة في ذاك المجال. ومع ذلك، كان عندي طيلة حياتي هذا الإحساس بالألوان، الوله الخاص بالألوان؛ وكذلك امتلك تلك الموهبة الغريبة لرؤية الأحرف بالألوان. ويٌسمى هذا الأمر بالإنصات الملون.يتمتع بهذه الهِبة ربما واحد في الألف. ولكن أخبرني الأطباء النفسيون بأنّ الغالبية من الأطفال يتمتعون بنفس هذا الأمر، وفيم بعد يخسرون هذه القابلية، عندما يخبرهم الآباء الأغبياء بأنّ هذا هراء، وحرف A  ليس له لون أسود، و B  ليس بُني اللون- الأمر الآن ليس فيه أية غرابة.

ما هي الألوان الخاصة بحروف اسمك الأولى، VN؟
 يتميز حرف الـ V بأنّه نوع من لون وردي شفاف، وباهت: أعتقد بأنّه، فنيًا، يطلق عليه وردي كوراتز: وهذا واحد من أكثر الألوان والتي في استطاعي وصلها بحرف الـ V. أما على الجانب الآخر، فحرف الـ N  له لون رمادي ضارب إلى صفرة الشوفان.
ولكن تحدث أمور مضحكة:حيث أن زوجتي،أيضًا، لديها نفس الهبة في رؤية الأحرف بالألوان. ولكن ألوانها مختلفة  تمامًا عني. حيث يُوجد، ربما، اثنان أو ثلاثة أحرف مشتركة فيم بيننا، ولكن إلى حد ما الألوان نفسها مختلفة. ولقد ثبت في النهاية، واكتشفناه يومًا، أن ابني الصغير في ذلك الوقت – أعتقد أنّه كان في العاشرة أو الحادية عشر – يرى كذلك الأحرف بالألوان. وبطبيعة الحال سيقول “أوه، هذا ليس ذلك اللون، هذا هو هو اللون” وهكذا.
ومن ثم طلبنا منه أن يضع قائمة بألوانه، واكتشفنا أنّه عند نفس الحالة، يرى هو اللون أرجواني أو ربما بنفسجي فاتح، بينما أراه قرنفلي، وتراه والدته أزرق. هذا قد حدث مع حرف الـ M. لذا، وفي حالته، الخلط بين الوردي مع الأزرق يصنع لون أرجواني فاتح (ليليك). والذي يعني كما لو أن الجينات ملونة بالألوان المائية.

لمن تكتب؟ من جمهورك؟
لا أعتقد بأنّه يجب على الفنان أن يزعج نفسه بجمهوره. فجمهوره المفضل هو هذا الشخص الذي يراه في الصباح محدقًا في المرآة وهو يهذب لحيته. أعتقد بأنّ الجمهور هو صور الفنان عندما يتخيل بأنّ مثل هذا الأمر، عبارة عن غرفة مليئة بالناس المُرتدية لقناعه.

في كُتبك هناك اهتمام مبالغ فيه بالأقنعة والتنكر: كما لو أنّك، تقريبًا، تُحاول إخفاء نفسك خلف شيء ما، أو تفتقد إلى نفسك.
أوه، لا. أعتقد بأنني دائمًا هنالك، ولا تُوجد أي صعوبة حيال ذلك. هناك،بالطبع، نوع معين من النقاد المحافظين على وضع بقعة دائرية صغيرة سوداء، كالموضوعة في بداية الفقرة، حول كل “أنا” مقارنة برأس المؤلف عند العمل على كتابة مراجعة لواحد من الكُتب الإبداعية. مؤخرًا واحد من المهرجين المغمورين الذي كتب عن رواية نار شاحبة في نيوريورك بوك ريفيو، أخطأ في كافة الراوي المُعلق على الأنباء المُختلق داخل الكِتاب. 
أيضًا من الحقيقة أن أكثر شخصياتي مسئولية قد أعطيتُها من أفكاري الخاصة. يوجد الشاعر جون شايد في رواية نار شاحبة.لقد استعار بعض آرائي الخاصة. هنالك فقرة واحدة في قصيدته، والتي هي جزء من الكِتاب، فيها قال شيئًا ما أعتقد أنّه بإمكاني تأييده فيها .قال، ودعني أقتبس ما قاله، إذا كان في مقدرتي التذكر، نعم، أعتقد أنّه يُمكنني ذلك:
“أكره تلك الأمور مثل الجاز، معتوه ذو رداء أبيض مُحلى بالأحمر وهو يعذب ثور أسود، الأشعة الحمراء، تجميع الأشياء بلا هدف، الأقنعة الشعبية البدائية، التعليم التقدمي، الموسيقى في محال السوبر ماركت، حمامات السباحة، المتوحشون، المملون، مدعيّ التفرقة بين الطبقات، فرويد، ماركس، المفكرين المزيفين، الشعراء المغرورن، المحتالون، المخادعون.” هكذا تسير الأمور

من الواضح أنّه لا جون شايد أو حتى خالقه (أي أنت) رجال اجتماعيون.
لا التحق بأي نادِ أوجماعة. لا أصطاد، لا أطبخ، لا أرقص، لا أوقع الكُتب، لا أمضي عليها، لا أشير إلى بيانات، لا أكل المحار، لا أسكر، لا أذهب للكنيسة، لا أذهب إلى محلل نفسي أو أشترك في التظاهرات.

يبدو لي أحيانًا أنّه في روايتك – على سبيل المثال رواية ضحكة في الظلام– يُوجد سلالة من الإنحراف ترقى للوحشية.
لا أعرف. ربما. بعض شخصياتي، بلا شك، بغيضة إلى حد ما، ولكنني لا أهتم، فهم خارج بؤرتي الذاتية مثل الوحوش الشيطانية المخيفة الكئيبة التي تتصدر واجهة مبنى الكاتدرائية، الموضوعة لتظهر فقط أنّه قد تم طردها. أنا، في الحقيقة، رجل عجوز متسامح يكره الوحشية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى